البنك المركزي الأوروبي بين سندان الإنتظار و مطرقة الإنهاك

الإثنين 29 آب , 2016 04:06 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 31,941 زائر

البنك المركزي الأوروبي بين سندان الإنتظار و مطرقة الإنهاك

عدة عناصر مهمة، تسلط الضوء على الظروف الاقتصادية العالمية، يجب اخذها في الاعتبار لفهم الخطوة التي لجأ اليها البنك الاوروبي فيما يتعلق بالتيسير الكمي وهذه العناصر اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فان زمام الامور يكون بيد المجهول الذي ولد وكبر وانتهى في العام 2008 . 

١- استمرار تباطؤ الاقتصاد العالمي
هذه خلاصة تقرير markit لشهر شباط ٢٠١٦ عن اوضاع قطاع الصناعة العالمي. حيث لحظ التقرير الى ضعف في دينامكية التبادل بين الدول وما لذلك من تأثير على النمو، هذا بالاضافة الى غياب العامل المحرك للاقتصاد العالمي. لقد كشفت الأرقام الاخيرة ان مؤشر النشاط الصناعي للدول المتطورة، كذالك الصاعدة، يراوح مكانه مقارنة بشهر كانون ثاني للعام ٢٠١٦. كذلك الحال، ان ضعف مؤشر الطلبات على السلع المستدامة لا يوحي الى تسارع في وتيرة النشاط الصناعي على المدى القصير. 
أيضاً، ان ارتفاع أسعار النفط الأخير لا يمكن تفسيره على انه تحسن في النشاط الصناعي لان الطلب بقي ضعيفاً، وهذا الارتفاع مرده ليس إلا للأمل المعقود على خفض اوبك وروسيا لحصصها من المعروض. 
أيضاً، ان ارتفاع أسعار النفط الأخير لا يمكن تفسيره على انه تحسن في النشاط الصناعي لان الطلب بقي ضعيفاً، وهذا الارتفاع مرده ليس إلا للأمل المعقود على خفض اوبك وروسيا لحصصها من المعروض.
٢- استهداف الصين لمعدل نمو يتراوح بين ٦،٥٪ و ٧٪

ان الصين تعمل جاهدة وبكل الوسائل لتثبيت معدل نمو مرجع يتراوح بين ٦،٥٪ و٧٪ على المدى المنظور ولغاية ٢٠٢٠.

هذه العملية صعبة معقدة جداً وتحمل في طيّاتها مخاطر جمّة تستهدف النمو، لماذا؟ لان اقتصاد الصين يمر في مرحلة انتقالية نحو اقتصاد الخدمات وهذا يتطلب إصلاحات لتسهيل الارضيّة المناسبة للاقتصاد الجديد وتخصيص الموارد. هذا التغيير يأتي في مرحلة بالغة الحساسية نظراً للظروف الاقتصادية العالمية غير الملائمة، هذا في ظل تفضيل آني لزيادة الدين العام الصيني التى بلغ مستويات قياسية ٢٤٧٪ من الناتج المحلي والتي من المتوقع ان تصل الى ٢٦٠٪ العام ٢٠١٦.

لماذا هذا القلق؟ لان الشركات هي من تحمل عبء هذا الدين , والتغيير المحتمل نحو اقتصاد الخدمات قد يدفع نحو اهتزاز هيكلي في البنيان الحالي ويضعف من هيمنة قطاعات صناعية هامة. هذا بالاضافة الى ان الدين يرخي بظلاله على كاهل البنوك ويضعف كفاءتها التنافسية ويجعلها عرضة للإفلاس. هذا القلق يأتي من ان معظم الشركات الصينية الكبرى مملوكة من الدولة وتنصاع لاهداف غالباً ما تتعارض مع أهداف وتوجهات القطاع الخاص مما يعرض هذا التغيير للفشل النسبي وما له من اثار كارثية على الاقتصاد الصيني.

ان انخفاض الكفاءة وقدرة المنافسة في بعض القطاعات الصناعية دفع بقوة نحو التغيير، في محاولة الحفاظ على معدلات النمو الحالية ودفع عجلة الاقتصاد في مرحلة مقبلة.
٣- الاقتصاد الامريكي ينمو ببطء
ان المؤشر العام ISM (للصناعة والخدمات) الامريكي لشهر شباط ٢٠١٦، كشف عن بطء في النمو الاقتصادي. هذا الانخفاض يغذي المخاوف من تباطئ اكبر اقتصاد عالمي لعام ٢٠١٦ والذي من المتوقع ان يحقق معدلات نمو تتراوح بين ١،٢٪‏ و٢٪‏. 
٤- ركود في منطقة اليورو
اظهر التقييم الأولي للأرقام الصادرة مؤخراً عن INSEE الفرنسي و IFO ألماني عن تباطؤ النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو. هذا بالاضافة الى الملامح الواضحة لانكماش في نشاط الصناعات التحويلية في دول الاتحاد باستثناء اليونان. هذا الانكماش مرده الى تباطؤ النمو في اسيا والدول الصاعدة مما اثر على صادرات أوروبا وخاصة ألمانيا. 
نلاحظ أيضاً غياب دينامكية قاطرة للنمو والنشاط الصناعي الاوروبي، أضف الى ضعف الاستهلاك الداخلي والقدرة الشرائية للأفراد... هذه العوامل تدفع الى القلق حتى في ظل استخدام التيسير الكمي وغياب تام للإنفاق الحكومي. 
٥- تقارب الأنشطة العامة في كل من أوروبا وأمريكا. 
اظهر مؤشر ISM (للصناعة والخدمات) في الولايات المتحدة تقارباً واضحاً مع مؤشر Markit للنشاط الصناعي الاوروبي خلال شهر شباط ٢٠١٦. هذا ان دلّ على امرٍ ألا وهو تاكيد التباطؤ في النشاط الصناعي العالمي. 


٦- انخفاض نسبة البطالة في أمريكا 
على الرغم من تسارع وتيرة العمل بشكل ملحوظ  في شهر شباط مقارنة بكانون الثاني من العام ٢٠١٦، الا انه بقي اقل من المعدل المتوسط لعام ٢٠١٥. هذا التباطؤ العام يبقى ضمن المعدل الطبيعي ولا يدعي للقلق. ولكن، نلحظ من خلال تقرير شهر شباط تراجع مستمر للعمل المؤقت التي هو مؤشر هام وعنصر هام يساعد على توقع مسبق للنشاط الصناعي الامريكي والذي يتطابق مع مؤشر ISM. ان التحسن الملحوظ في الفترة الاخيرة يبقي اقل من المتوسط، مما يقلل من مخاطر رفع الفائدة الامريكية علي المدى القصير.

٧- انكماش منطقة اليورو
ظهر معدل التضخم في شهر شباط ٢٠١٦ انكماش بنسبة ٠،٢٪‏. هذا الانكماش مرده الى التأثير السلبي لانخفاض أسعار النفط. 
٨- انخفاض طفيف في معدل البطالة لمنطقة اليورو
انخفضت مؤخراً نسبة البطالة بمعدل طفيف في دول الاتحاد الاوروبي الى مستوى ٢٠١١ حيث بلغت ١٠،٣٪‏. ان بقاء البطالة عند معدلاتها المرتفعة مرده الى غياب المحرك الرئيسي المحفز للعمل ألا وهو النمو (ان النمو عند حدود ٢٪‏ يعتبر عامل مؤثر على خفض نسبة البطالة).
٩- ارتفاع مبيعات التجزئة الأوروبية بنسبة ٠،٤٪‏ خلال شهر كانون الثاني ٢٠١٦. 
بناءاً علي ما تقدم من ظروف ضاغطة، وجد المركزي الاوروبي نفسة امام وضع لا يحسد علية خصوصاً عندما يضيق امامة هامش المناورة باستخدام الأدوات التقليدية والغير تقليدية لمواجهة الانكماش والنمو. فلم يبقى أمامه سوى اداة التيسير الكمي ٢ لمكافحة الانكماش نظراً للفيتو الألماني على الإنفاق الحكومي.

في العودة الى ظروف وأسباب سياسة التحفيز الكمي ١ التي طبقت في كانون الثاني من العام ٢٠١٥، نجد ان الهدف الأساسي كان لتخفيف الضغوطات على أسواق سندات دول الأطراف نظراً لمديونيتهم المرتفعة، رفع معدلات التضخم، خفض قيمة اليورو والهدف الرئيسي الغير معلن على المدى الطويل هو تحفيز النمو عن طريق  ضخ السيولة اللازمة وخفض معدلات الفائدة. 
نجح المركزي الاوروبي في تخفيف الضغوط على أسواق السندات ولكنه فشل في تحفيز التضخم الى نطاقه المستهدف ٢٪‏ وكذلك النمو. عندما بدأ المركزي الاوروبي في التيسير الكمي ١ لم يكن يتوقع هبوط أسعار النفط الى حدودها الدنيا. الامر الذي أدى الى معاقبة التضخم بحيث ان هبوط النفط بنسبة ١٠ دولار يقابله هبوط في التضخم بنسبة ٤ نقاط. مما أدى الى دخول منطقة اليورو في الانكماش. أضف الى ان الاقتصاديات الأوروبية لم تستفد من هبوط قيمة اليورو لتحفيز نموها، لان هذا الاخير قابله انخفاض في أسعار المواد الأولية مما اثر بشكل سلبي على مؤشر العام للاسعار وبالتالي على معدلات النمو ودائماً عند أسعار الفائدة الدنيا الامر الذى افقد النمو ابرز محركاته الهيكلية لدفع عجلة الاقتصاد. 
أيضاً، لعبت قوانين الموائمة والاجراءات الاحترازية الأوروبية دوراً في الحد من الاثار الإيجابية لخطة المركزي الاوروبي. مثلا. لكي يحقق البنك ارباحا يجب ان يملك سيولة راسمالية تساعده على توسيع نشاطه الاستثماري لتحقيق الأرباح. عند غياب هذه السيولة لجأت المصارف الى التسيير الكمي لتحصل علي السيولة اللازمة فاصطدمت بحائط القوانين التي لا تسمح لها باستخدام اموالها الا بوضع سيولة مخاطر راسمالية تتعدي ٣٪‏ لكل قرض. وجدت هذه المصارف نفسها عاجزة عن الاستثمار وتحقيق أرباح كما كان متوقع. فانخفض الاستثمار وكذلك الأرباح الامر الذي اثر سلباً على النمو والبطالة.
امام هذا الوضع المتردي، وامام ضغوط الاسواق، وجد ماريو دراغي نفسه امام معظلة حقيقية الا وهي الحاجة الى تيسير كمي إضافي لتحفيز التظخم الى مستوي ٢٪‏ على المدى القصير وكذلك النمو علي الأجل الطويل. فكما كان متوقعاً ان يلجأ المركزي الخميس المقبل الى زيادة السيولة النقدية بمقدار ١٠ مليار يورو وخفض أسعار الفائدة على الايداع بنسبة ١٠ نقاط  واستخدام أسعار الفائدة السالبة taux directeurs. ولكن السؤال، هل يستطيع البنك الاوروبي عن طريق التيسير الكمي ٢ من تحقيق أهدافه؟
ان البحث في جدية استخدام سياسة أسعار السالبة (taux directeurs) لتحفيز التظخم وكذلك النمو، يظهر ان تطبيق هذه السياسة يضفي عامل قلق اكثر مما هو عامل ثقة على استقرار الاسواق على المدى القصير. سنتاول هذا الموضوع من عدة جوانب:
ان تجربة سياسة أسعار الفائدة السالبة كانت قد طبقت بشكل رئيسي في دولتين هما اليابان وسويسرا. فعلي الرغم من ان الفائدة السالبة مطبقة في اليابان منذ ١٠ سنوات لتحفيز التضخم، الا ان اليابان لا تزال ترضخ في انكماش مدقع مما جعلها مرجع في هذه السياسة الفاشلة التي لم تؤتي أبداً ثمارها. اما في سويسرا، فقد طبقت هذا التجربة لامتصاص صدمة أسعار الصرف في كانون الثاني ٢٠١٥، ونجحت في تحقيق استقرار نسبي في سوق الصرف. 
ان كفاءة أسعار الفائدة السالبة لتحفيز التضخم لا يزال محط نقاش ودراسة بين الاقتصاديين. لانه ليس هناك من دليل قاطع على نجاح هذه السياسة على المدى القصير. في المفهوم النظري، ان استخدام أسعار الفائدة السالبة يساعد على تحفيز التضخم عن طريق زيادة القروض،...، ودفع عجلة النشاط الاقتصادي. في المقابل ان هذه السياسة تؤدي الى خفض العائد على الادخار، وصناديق الاستثمار في اليورو وكذلك على صناديق التأمين ... وهذا بدوره يقلل من القدرة الشرائية للأفراد وبالتالي على الاستهلاك التي هو محرك النمو. 
أضف إلى ان هناك عوائق اجرائية وقيود تنظيمية تحد من الاثار الإيجابية لهده السياسة. منها اجبار المؤسسات الماليّة بامتلاك سندات خزينة قليلة المخاطر. وبما ان مردود هذه السندات سالب، فإن استثمار هذه المؤسسات فيه يؤدي الى خسائر بمفعول مسبق. 
أضف الى ان خفض أسعار الفائدة الأوروبية، يقابله ارتفاع معدلات الفائدة الأميركية يؤدي الى هجرة رؤوس الأموال الى الاسواق الامريكية لانها اكثر ربحية مما يؤثر على الاستثمار، وخاصة النمو والبطالة. 
في النتيجة، ان الحكم على هذه السياسة يتوجب وقتاً اضافياً. فمثلاً، ان الفدرالي الامريكي احتاج الى ٣ تيسيرات كمية لتحفيز اقتصاد الولايات المتحدة، فكيف إذن بإقتصاد صلب كأوروبا وماذا عن اقتصادياتنا التي انهكتها الحروب سؤال برسم كل خبير من سوف يسدد الفاتوره المقبله ؟
بقلم المستشار القانوني الدكتور محمود ملحم . 

تعليقات الفيسبوك
Script executed in 0.0732929706573