تفاصيل مرعبة: الديوكسين في الهواء.. توقعوا سرطانات وتشوهات

مشاهدة

السبت 17 كانون الأول , 2016 09:01

تحت عنوان "... وما أدراك ما "الديوكسين"، كتب حكمت غصن في صحيفة "الأخبار": "منذ نحو عام، كشفت دراسة علمية ارتفاع كميات مادة "الديوكسين" المسرطنة بنسبة 416 مرة جراء حرق النفايات. خطر السرطان الذي تسببه هذه المادة يوازيه أيضاً خطر أشد رعباً ظهر في حرب فييتنام، إذ استخدمت الولايات المتحدة الأميركية مبيد أعشاب لتجويع الفييتناميين، تبيّن لاحقاً أنه يحتوي على "الديوكسين"، ما أدّى الى تشوّهات خَلقيّة مرعبة في الولادات الجديدة لا تزال تظهر حتى اليوم
"الديوكسين"، مصطلح جديد دخل إلى الحياة اليوميّة للمواطنين اللبنانيين من باب البيئة العريض بعد أزمة النفايات المستمرة منذ تموز 2015، فماذا نعرف عن هذه المادة؟

الشائع اليوم لدى القاطنين في البلد أنّ "الديوكسين" مادة مسرطنة تنتج من حرق النفايات التي تحتوي على مادة الكلور تحديداً، كبعض أنواع البلاستيك. إلا أنّ هناك خصائص كيميائية أخرى لهذه المادة قد لا يعرفها الكثيرون وهي على نفس قدر خطورة السرطنة. تعتبر مادة "الديوكسين" مادة ثابتة لا تتفكّك بسهولة، كما أنّها تتراكم في الأجسام الحيّة (Bioaccumulable) ولا سيّما في الخلايا الذهنية. أمّا جرعتها القاتلة، فهي 0.02 ميليغرام في الكيلوغرام عن طريق الفم لدى الفئران، ما يصنّفها ضمن المواد "السامة للغاية" على مقياس "هودج وستيرنر" لفئات السمّية.

منذ نحو عام، كشفت دراسة صادرة في كانون الأوّل 2015، عن وحدة بحثيّة بتعاون بين "الجامعة الأميركيّة في بيروت" و"جامعة سيدة اللويزة" و"جامعة القديس يوسف"، بإشراف الدكتورة نجاة صليبا، أستاذة الكيمياء ورئيسة فريق عمل إدارة النفايات الصلبة في "الأميركيّة"، عن ارتفاع كميات "الديوكسين" بقدر 416 مرّة، وقد نشرت "الأخبار" بعضاً من خلاصات هذه الدراسة تحت عنوان "حرق النفايات: تضاعف المادّة المسرطنة 416 مرّة". لكن في وطن لا تأبه السلطة فيه للبحث العلمي في كل المجالات، ماذا قدّمت لنا هذه الدراسة وماذا أغفلت؟

تناول جزء من الدراسة مسألة ارتفاع نسبة "الديوكسين" في هواء إحدى المناطق السكنيّة القريبة من محرقة عشوائية للنفايات، مقارنة بنسبة "الديوكسين" عام 2014 في إحدى المناطق الصناعية. كانت النتيجة ارتفاعاً كارثياً، 416 مرة. حسب مستويات هذه المادّة في السابق، كانت نسبة 0.1 بالغ أو 0.4 طفل من كل مليون نسمة تتعرّض لهذه الانبعاثات على فترة حياة كاملة يُحتَمل إصابته بمرض السرطان. تعتبر "هذه النسبة مقبولة تبعاً لمعايير وكالة حماية البيئة الأميركيّة التي حددت الحد الأقصى المسموح به لهذه النسبة بـ 1 من كل مليون نسمة. أمّا المستويات الحالية، فتشير إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 34 بالغاً و176 طفلاً من كلّ مليون نسمة في المناطق السكنيّة المكتظّة، حيث يتمّ إضرام الحرائق في أكوام النفايات".
ولفتت الدراسة إلى مسألة السرطان وارتباطه بالانبعاثات السامة، حيث إنّه بجمع آثار «الدّيوكسين» ومادة الـ»داي بنزو أنثراسين» (Dibenzoanthracene)، التي ظهرت لأول مرة في الهواء المحيط في لبنان بحسب الدراسة، يرتفع خطر الإصابة بالسرطان في المناطق السكنيّة حيث يتم إحراق النفايات إلى معدل 37 بالغاً و186 طفلاً من كلّ مليون نسمة.
إلّا أنّ ما مرّت عليه الدراسة بخجل، وما غافله الإعلام حينها، مسألة لا تقلّ خطورة عن مرض السرطان، وللحديث عن هذه المسألة، فلنعد بآلة الزمن إلى سبعينيّات القرن الماضي، ونسافر إلى فييتنام.
ما الذي حصل في فييتنام؟ عندما كانت الولايات المتحدة الأميركيّة تمعن في نشر ديموقراطيّتها وإنسانيّتها المعهودة في حرب فييتنام، اشتهر مصطلح يعرف بـ»العامل البرتقاليّ»، وهو مبيد أعشاب اسمه العلمي «2,4,5-T»، استعمله الأميركيّون لإبادة الرّز في فييتنام الشمالية بهدف تجويع الشعب. لكنّ الأفظع هو ما حصل لاحقاً. فقد أدّت هذه الحرب الكيميائيّة إلى تشوّهات خَلقيّة مرعبة في الولادات الجديدة، لا تزال فييتنام تعاني منها حتّى اليوم، وقد شاع حينها أنّ سبب هذه التشوّهات هو المبيد «2,4,5-T». لكن، بعد تطوّر وسائل التحليل الكيميائيّ التي لم تكن قادرة في حينها على كشف حقيقة الأمر، تبيّن أنّ العامل المباشر لهذه المعضلة هو وجود «الديوكسين» مع المبيد بنسبة ضئيلة (25 إلى 30 جزءاً في المليون)، وذلك لأنّه منتج ثانويّ في عمليّة فبركة هذا المبيد، وتبيّن أنّ «الديوكسين» هو مركّب «ماسخ» أو «مشوّه» (Teratogen).
يقدّم لنا هذا المعطى العلمي التاريخي، إضافة إلى الكثير من الدراسات في العالم، دليلاً قاطعاً على احتمال اقتراب كارثة صحيّة واجتماعيّة قد تفتك بالقاطنين في البلد متمثلة بظهور حالات تشوّه خلقيّة لدى الأجيال القادمة، ولا داعي لشرح نتائج كارثة كهذه على صعيد المجتمع.
لذلك لا بدّ من إجراء المزيد من الأبحاث على المستوى الوطني، حيث إن غياب هذه المسألة عن بال الصروح العلميّة لا يثير الاستغراب أكثر ممّا يثير الحسرة والأسف على إهمال البحث العلميّ وتخلّف العلوم في بلادنا، رغم المستوى الأكاديميّ العالي للطلاب الذين ينتهي مصير معظمهم إمّا في بلاد الاغتراب أو في عمل روتينيّ غير منتج. وهنا، لا يمكن تحييد مسؤوليّة السلطة، ليس فقط في الفشل الذريع في الملف المسبّب لما نتحدّث عنه، أي ملف النفايات، بل في أحد الأسباب الأساسيّة لكلّ المشاكل التي نعيشها، وهي غياب دعم البحوث في مختلف القطاعات العلميّة.
ربّما شعر جزء من الشعب بالراحة للتسوية السياسيّة التي حصلت أخيراً في لبنان، وأمعن البعض في نسب هذا «الانتصار» إلى زعيمه أو خطّه السياسيّ. لكن ما يغفله جزء كبير من الشعب، وهذا ليس بمسؤوليّته بالمناسبة، أنّ الكوارث الصحيّة، كما الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة، ستفتك أكثر فأكثر بلبنان، طالما تتّبع هذه السلطة الحلول التي تناسب مصالح مكوّناتها، بعيداً عن أيّ حسّ إنسانيّ وعلميّ. فما هو أمامنا، في ظلّ الذّهاب دائماً إلى معالجة النتائج لا الأسباب، ليس إلّا غيضاً من فيض، وما خفيَ كان أعظم...
(حكمت ديب - الأخبار)http://www.al-akhbar.com/node/269734