عن انتحار المراهقين.. لماذا وكيف نوقف هذا الموت؟

الخميس 19 تشرين الأول , 2017 03:19 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,215 زائر

عن انتحار المراهقين.. لماذا وكيف نوقف هذا الموت؟

قررت "آمال" أن تضع حدّاً لحياتها، وما بلغت من العمر بعد 14 عاماً. اختارت الموت "خلاصاً"، فرمت بنفسها من شرفة منزلها في طرابلس، وتركت رسالة موّجهة إلى ذويها. لخّصت بكلماتها، مشاعر وحالة نفسية. "كنت أتمنى أن أكون مثلكم منيحة بس انتو ما كنتوا أهل مناح، وهذا الشيء الذي أوصلني الى هنا، أطلب منكم أن تسامحوني وقد كان وجودي مثل عدمه". فقدت "آمال" الأمل. انتحرت المراهقة، ولعلّها أخذت معها أسراراً وألغازاً.


لكن ما ليس سرّاً، بحسب علم النفس، ظاهرة انتحار المراهقين، إن صحّ التعبير. لماذا يلجأ هؤلاء إلى إنهاء حياتهم من دون أن يردعهم أي شيء؟ كيف السبيل إلى الوقاية وإلى حمايتهم؟ وما هي إنذارات الخطر؟!

يوضح الطبيب والمعالج النفسي مرام الحكيم أنّ "مرحلة المراهقة، وهي مرحلة انتقالية، بحدّ ذاتها تضع ضغوطات على المراهقين(ات) نتيجة المتطلبات الجديدة والتغيّرات العديدة الاجتماعية (المسؤوليات الجديدة، الرفض أو القبول من الجنس الآخر، تفاعل الأصدقاء...) والجسدية والجنسية والهرمونية، وهذا يحدث حتى إذا كان المراهق (ة) يعيش مع عائلة "طبيعية" (أي لا تعاني من مشاكل مختلفة).

وفي حديث لـ "لبنان24"، يشرح د. الحكيم أنّه إذا ما أضيفت إلى هذه الضغوطات الناجمة من طبيعة المرحلة ضغوطات أخرى ذات مصادر وخلفيّات مختلفة، فقد يصل الأمر بالمراهق (ة) إلى التفكير بالانتحار أو الإقدام عليه.

ومن بين هذه العوامل السلبية الضاغطة: مشاكل عائلية أو انفصال أو طلاق، تناول الكحول أو تعاطي المخدرات من قبل أحد أفراد العائلة، ضغوطات اقتصادية ومعيشية جمّة تعاني منها العائلة، إساءة جسدية أو معنوية يتعرّض لها المراهق (ة) أو أحد أفراد عائلته (ها)، وجود تاريخ عائلي من الإصابة بمرض نفسي أو عقلي أو مزمن، ضغط الأهالي الزائد أو الإهمال المفرط...إضافة طبعاً إلى ضغوطات ناجمة من البيئة التي يعيش فيها المراهق (ة) مثل الخضات الأمنية، الحروب، القلق اليوميّ الذي يعيشه المجتمع ككل والذي ينعكس بطبيعة الحال على العائلات بجميع أفرادها، البلطجة في المدارس...

ومع هذا، يُشددّ د. الحكيم على وجوب عدم عزل الشخص عن مراحل حياته كلّها، وذلك في معرض ردّه على سؤال حول إمكانية إقدام مراهق (ة) على الانتحار رغم أنه يعيش في عائلة لا تعاني من أي مشاكل ضاغطة، أي بمعنى آخر ما إذا كانت الضغوطات الناجمة من طبيعة مرحلة المراهقة كافية وحدها لدفعه إلى الانتحار؟!

يضيف شارحاً: "لا يمكننا أن نعزل أي إنسان عن حياته وننسى الأساسات التي تربى عليها فصقلت شخصيته، لذلك علينا دائما أن نأخذ في الاعتبار كلّ المراحل بدءاً من مرحلة الصفر (أي نمو الجنين في رحم أمه)، مروراً بمرحلة الولادة والمشاكل المحتملة التي رافقتها، ومن ثمّ مرحلة الطفولة وصولاً إلى مرحلة المراهقة، ذلك أنّ كلّ ما يحصل في تلك المراحل من شأنه أن يجعل الفرد أكثر قابلية للتأثر بضغوطات المراحل الانتقالية".

إذاً، نلاحظ أنّ العوامل التي تؤدي إلى زيادة خطورة انتحار المراهقين هي عوامل سابقة (من ماضيه)، عوامل ضاغطة مستجدة وضغوطات مرحلة المراهقة الآنية.

ولأن الأهل يلعبون دائماً الدور الأساس والرئيس في مختلف مراحل حياة الفرد، وإذ غالباً ما تشوب العلاقة بينهم وبين أبنائهم بعض الاضطرابات في مرحلة المراهقة، كان لا بدّ من الاستفسار عن دورهم في زيادة خطر الانتحار على فلذات أكبادهم.

يلفت د. الحكيم إلى أنّ سنّ المراهقة يُشكّل تحدياً بالنسبة إلى المراهق (ة) والأهالي على حدّ سواء. الأول يريد التفلّت من "الحدود" الموضوعة ويتوق إلى استقلاليّة تحاكي أهدافه وتطلعاته المغايرة عن أهداف أهله، وبالتالي يبدو التوتر أمراً طبيعياً بين الطرفين في هذه المرحلة. لكنّ المشكلة، بحسب د. الحكيم، تنشب حينما يبالغ الأهل في التعنت والتشددّ أو في التراخي والإهمال على حدّ سواء.

"للأسف هناك عائلات فيها من النرجسية ما يجعلها تظنّ أن أولادها هم عجينة يتحكمون بها مثلما تشاء، بحيث لا وجود معنوياً لهم"، يقول د. الحكيم لافتاً إلى أنّ التشدد والتعنت يضعان المراهقة (ة) تحت تأثير ضغوطات كبيرة بما فيها شعورهم بأنهم غير محبوبين، كما أنّ التراخي وترك المراهقين على سجيّتهم يتركان عواقب وخيمة ذلك أنّ المراهق، وعلى رغم توقه إلى الحرية والاستقلالية، يحتاج أيضاً إلى من يرشده ويثق به ويتكلّ عليه".

التربية الواعية والثقة المتبادلة والإحاطة بالحنان والتفهم، هم المفاتيح الذهبية إذاً للوقاية.

إشارات الإنتحار

ما هي الإشارات التي يُرسلها المراهق (ة) والتي تُنذر بخطر إقدامه على الانتحار؟

يشرح د. الحكيم أنّ البعض يتكتمّ ولا يُظهر إشارات كبيرة، إلا أنّ الدلائل الشائعة تتمظهر في: خلل في النوم (عدم النوم أو الإكثار منه)، الأكل (فقدان الشهيّة أو الشراهة)، الانعزال والانطواء والكفّ عن المشاركة في الأنشطة والفعاليات المحببة، اليأس وعدم التلذذ بأي شيء، الشعور بالغضب أو التصرّف بعدوانية...التهديد بإلحاق الأذى بالنفس أو بالانتحار".

نتوقف عند هذه النقطة لأهميتّها إذ ثمة مفهوم خاطئ سائد في المجتمع اللبناني يقول بأن من يهدد بالانتحار فهو لن يجرؤ على تنفيذه. يتبيّن أنّ الأمر غير صحيح. يقول د. الحكيم: "أي تهديد مباشر أو غير مباشر، حتى لو لم يتخذه الأهل على محمل الجدّ، هو وفق المنظور النفسي والطبي تهديد جديّ على غاية من الأهمية والخطورة، ونتلقفه كحالة طارئة. لذلك عندما يقول المراهق (ة): "انو ما رح ترتاحوا قبل ما روّح حالي" أو مثيلاتها من العبارات التي تحمل تهديداً وإشارة إلى النيّة بإنهاء الحياة، فيجب التدخل فوراً وإحالة المعني إلى اختصاصي لتلقي العلاج".

وبحسب د. الحكيم، لا رادع أخلاقياً أو من أي نوع آخر يثني المراهق عن الإقدام على الانتحار، وهذه حال الراشدين أيضاً. فالشخص الذي يفكر في الانتحار ليس شخصاً لا يملك وعياً كافياً، بل هو شخص فاقد الأمل بحيث لا يرى أي نور في نهاية النفق ولا أي خلاص أو تغيير في مراحل لاحقة.

لذلك، لا بدّ من التدخل السريع والواعي في حال الشكّ في نيّة المراهق (ة) في الانتحار وإحالته إلى إختصاصي ومعالج نفسيّ كما إلى البحث عن أسباب المشكلة الرئيسية.

فالطبيب النفسي يعتبر أنّه يجب على الأهل منذ البدء بالتخطيط للانجاب أن يضعوا سياسة معيّنة مبنيّة على العلم والوعي حول طريقة التعامل مع الطفل منذ تكوينه مروراً بكل مراحل حياته، لأن بناء شخصيته سوف تقيه مخاطر المراحل الضاغطة، والعكس صحيح.

ومن المهم جداً أن يحسن الأهل الذين يحاول أحد أبنائهم المراهقين الانتحار التصرف، بحيث يمتنعون عن لومه وتحميله مسؤولية جمّة، على شاكلة "روح كب حالك يلا"، أو "هيك بتعمل فينا"، وكأنهم يتحوّلون فجأة ضحية بأنفسهم. العلاج يعتمد أيضاً على ردود فعل العائلة والمحيط، وكذلك الوقاية التي تقيه شرّ معاودة الانتحار.
المصدر: للكاتبة ربيكا سليمان/ لبنان 24

تعليقات الفيسبوك
Script executed in 0.0668849945068