«الليطاني»: نهر الحياة يتحوّل إلى «مجرور الموت»

الثلاثاء 20 تشرين الأول , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,865 زائر

«الليطاني»: نهر الحياة يتحوّل إلى «مجرور الموت»

جفّ حبر البقاعيين، ومعه بلديات مناطقهم، وهم يراسلون أصحاب الشأن في وزارات الصحة والطاقة والمياه والداخلية وصولاً إلى البيئة. يناشدونهم رفع الموت عنهم وعن أطفالهم وحتى عن مزروعاتهم، عبر معالجة مواضع التلوث ومسبباته بعدما أضحت نسبه في الليطاني الأعلى بين المسطحات المائية في طول لبنان وعرضه. ومع حبر البقاعيين، بُحّت أصواتهم التي علت في المناسبات كلها مطالبة بمعالجة التلوث وإنقاذ المنطقة من دون أن تلقى جواباً شافياً أو موقفاً رسمياً يشرح كل هذا الإهمال والتخلي.

اليوم، والشتاء يدقّ الأبواب، ما زالت النفايات الصلبة والردميات الثقيلة مكدّسة بالأطنان في نهر الليطاني لتعترض مجرى مياهه، وإن كانت غالبيتها من مياه الصرف الصحي ونفايات المعامل والمصانع التي تنتشر في محيطه من المنبع إلى المصب. ومع الخوف من فيضانات «الشتوات» الأولى، يخشى البقاعيون أن يفيض النهر بعد اصطدام السيل بالنفايات والعوائق الأخرى، فيُغرق أرزاقهم وقراهم، كما حصل في سنوات سابقة، بخاصة أن كميات النفايات تصل في بعض الأماكن إلى حافة المجرى العليا.

عقبات أمام تشغيل محطات التكرير

لم تقابل تحرّكات الاعتراض على هذا الموت الذي هجر العديد من سكان البقاع على طول طريق بر الياس ـ المصنع المحاذية للنهر، بأيّ تحرك رسمي. هناك يمكن ملاحظة إبقاء مختلف محطات تكرير مياه الصرف الصحي، إما من دون استكمال أو عدم إيصال شبكات المياه الآسنة إليها، مما يحول دون نقل المياه الملوثة من الليطاني الى خزانات المعالجة ثم ردها إليه.

وتختصر محطة زحلة لتكرير مياه الصرف الصحي، على سبيل المثال لا الحصر، مأساة الإهمال الرسمي. كان عقد تنفيذ المحطة ينص على عدم تأخير تشغيلها عن ثلاث سنوات. اليوم بعد 12 سنة من العقد الموعود ما زالت المحطة عاطلة عن العمل. الحال نفسه ينطبق على محطة جب جنين التي لا زالت دون تشغيلها عقبات شتى.

تنظيف النهر

تبلّغت بلدية زحلة ـ المعلقة مؤخراً تعميماً من وزارة الداخلية يفيد بتلزيم تنظيف نهر الليطاني من قبل إحدى الشركات لرفع الردميات والأتربة والأوساخ من الليطاني وروافده ومنهم نهر االبردوني. وتنحصر مهمة الشركة على رفع النفايات المتراكمة، فيما يسأل عضو بلدية زحلة – معلقة يوسف القرعوني عن موعد «رفع التلوث الجرثومي المتأتي من مصبّات الصرف الصحي ونفايات المعامل وسواها».

مسح تلوث الليطاني ذاكرة البقاعيين عن نهر كان يستقطب الحياة على طول مجراه وجوانبه. فعل التلوث فعله في اندثار حكايات وقصص كان يتناقلها الأجداد والآباء «كنا نتسابق للسكن بجواره»، يسرد ابو علي الميس عن ذاك الزمن الجميل الذي تحوّل الى «زمن اسود، وصارت نسبة التسبب بالموت من النهر مئة في المئة بعدما كنّا نشرب من مجراه مباشرة».

يربط البقاعيون بين ارتفاع نسب الوفاة بأمراض كثيرة وبين ارتفاع نسب التلوث في الليطاني. موت يتحمل مسؤوليته القيّمون على الدولة وإداراتها التي لم يسجل لها اي تحرك جدي لرفع هذا التلوث. من ناحية ثانية، تمّ صرف مليارات الليرات على دراسات نسب التلوث وكيفية المعالجة بما يفوق كلفة المعالجة وإعادة الحياة إليه كشريان رئيس في البقاع.

ولا يقتصر التلوث على ساكني محيط النهر، بل يتمدّد على مساحة كيلومترات بفعل ارتفاع حجم التلوث والنفايات التي تردم وتطمر في مجراه.

تلوّث بالجملة

يحتوي نهر الليطاني وروافده على كل انواع الملوثات من جرثومية الى كيميائية مع ملايين الجراثيم والنفايات التي لها أرقامها ونسبها وفق الفحوص المخبرية التي تطال مجراه، حسب ما يؤكد مدير عام مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في تل عمارة الدكتور ميشال افرام. يقول أفرام لـ «السفير» آخر أرقام التلوث الزراعي الناتج عن تلوث الليطاني وروافده، والتي أجرتها المصلحة على عينات من البقدونس والنعنع المزروعة في حقول تجاور نهر الليطاني وروافده، بيّنت وجود كميات من المعادن الثقيلة كـ «الكدميوم والزنك والرصاص والكروميوم». وتقول الأرقام عينها أن نسب الرصاص في النعنع مثلاً تصل إلى ثلاثة أضعاف ونصف عن المعدل الطبيعي، وضعفين وما فوق في البقدونس، كما عثر على مادة الكروميوم داخل النعنع والبقدونس وبنسب تصل الى 39 ضعف عن النسب المسموح بها في النعنع وعلى نسب تلوث في البقدونس بالكروميوم تصل الى 27 ضعفاً عن الرقم المسموح به عالمياً. كما جاءت الأرقام بنسب أعلى من المعادن نفسها في روافد الليطاني.

ورصدت المصلحة أيضاً وجود «سيانو بكتيريا»، وهي من أخطر أنواع البكتيريا التي تعمل على فرز سموم داخل المياه وتنتقل إلى جسم الإنسان عبر النباتات المروية بالمياه الملوّثة بها. وتؤدي «سيانو بكتيريا» إلى إتلاف الكبد وتعطيل أجهزة ووظائف الجهاز العصبي والجلدي، علماً أن الدراسات الفنية أكدت أن تركّز أكثر أنواع الملوّثات من المعادن الثقيلة، كما الأمراض، في المنطقة القريبة من مجرى النهر.

وهناك أيضاً ترسبات كيميائية داخل مجرى النهر بنسب محدودة ومردها الى العشوائية في استعمال المبيدات الزراعية، وبعض مخلفات المعامل البدائية التي لا تعمل على معالجة مياهها المستعملة في الصناعة.

يصف افرام مؤشرات التلوث بـ «الأمر الخطير الذي يقدم تفسيراً واضحاً عن اسباب ارتفاع الإصابات بالأمراض السرطانية بفعل تسرب الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة الى جسم الانسان». ويشير إلى ان الليطاني يفوق جميع الأنهار والمسطحات المائية في لبنان «تلوثاً من المنبع إلى المصب».

ويعيد تلوث النهر بجراثيم «الكوليفورم» إلى مياه الصرف الصحي، تُضاف اليها مخلفات مناشر الحجر ونفايات مزارع ومسالخ الدواجن والمواشي، ونفايات الملاحم ومياه معامل الأجبان والالبان والزيوت والدباغات. تضاف إليها أيضاً «نفايات المؤسسات التجارية والمنازل، والردميات الترابية والإسمنتية، التي حوّلت الليطاني إلى مكب ومطمر لا حدود له.

يحذر افرام من مخاطر استمرار غياب معالجة تلوث الليطاني التي تزداد مع زيادة السكان وأعداد النازحين، ليتحدّث عن المضخّات التي يشاهدها من مكتبه والتي تُسحب المياه السوداء من النهر لري المزروعات في بلدات رياق وتمنين وابلح والنبي ايلا. مع العلم أنه سبق لمحافظ البقاع القاضي انطوان سليمان أن أصدر تعاميم عدة تحذّر من الري بالمياه الملوثة لليطاني، وطلب من قوى الأمن الداخلي مواجهة الظاهرة والحدّ منها ومعاقبة أصحابها.

في المقابل، لا يتوقف الاعتداء على الليطاني، ولا يقتصر على النفايات السائلة او الثقيلة، بل الاخطر أنه قد تعرّض الى ما يشبه الردم، خصوصاً في النطاق العقاري لبلدتي المرج وبر الياس. وتعتبر هاتان البلدتان الأكثر تضرراً من هذا الموت بفعل تلاقي كل روافد ومجاري النهر الملوّثة والقاتلة ضمن نطاقهما العقاري.

مياه الشفة

ويهدد التأخر في سبل المعالجة احتياجات عشرات الآلاف من سكان لبنان من مياه الشفة، خصوصاً القاطنين في منطقتي البقاع الغربي وراشيا والجنوب وحتى سكان بيروت الذين يؤمنون احتياجاتهم المائية من نهر الأولي.

ووفق الدراسات والاحتياجات المطلوبة سيتمّ جر ما يقارب 160 مليون متر مكعب من مياه الليطاني لمصلحة مشروع قناة 800 التي تروي الجنوب وبعض قرى البقاع الغربي وموزعة بين مياه للري ومياه للشرب بهدف تأمين الري لأكثر من 115 ألف دونم عبر استجرار 90 مليون متر مكعب من المياه في القناة 800، ويضاف إليها 20 مليون متر مكعب من المياه لدواعي تأمين مياه الشفة، يُضاف إليها في مرحلة لاحقة استجرار 50 مليون متر مكعب من المياه المعالجة والنظيفة إلى نهر الأولي في بيروت، علماً أن سعة البحيرة القصوى تبلغ 220 مليون متر مكعب من المياه.

سامر الحسيني

السفير بتاريخ 2015-10-20 على الصفحة رقم 8 – بيئة

Script executed in 0.031955003738403