عاشُوراء الضّاحية: «بالعشقٍ جئناكم».. وبـ «السيِّد»

الإثنين 26 تشرين الأول , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,017 زائر

عاشُوراء الضّاحية: «بالعشقٍ جئناكم».. وبـ «السيِّد»

الصفوف الطويلة وخلفها مواكب يليها مجموعات عديدة تتحرّك من دون أن تَحيد شبراً واحداً «خارج الصف» بقبضات كثيرة وقلبٍ واحد. يفشلُ المراسل التابع لمحطة تلفزيونية أجنبية في رصد أوّل الواصلين إلى مراسم إحياء ذكرى العاشر من مُحرّم في «الضاحية»، ويقول لزميله في «الأستديو»: «لا أعرف من أين جاء كل هؤلاء في لحظة واحدة»؟ مِن المؤكَّد أن الرجُل لم يحاول لاحقاً أن يرصد آخر المغادرين من المسيرة قبل الظهر بقليل.

يستعجل الناس الوصول إلى «المُجمّع» من دون أن يبدوا تذمّراً من إجراءات التفتيش التي اعتادوها في مناسبات كهذه. يستمعون إلى سيرة مقتل الحُسين بن علي وصحبه قبل مئات السنين بطريقة تبدو كأنها وقعت بالأمس القريب. يُعلّق أحد رجال الدين المشاركين في المراسم بالقول «إن المناسبة صارت أكثر اخضراراً عاماً بعد آخر».

يختلط الدمع برذاذ المطر التشرينيّ الخفيف على وجنات الحاضرين. يصل الصوت إلى كلِّ مكان على امتداد خطّ المسيرة المحدّد، كذلك إلى مسامع المعنيين بمسارات السياسة والميدان في المنطقة العربية و «التي صارت أكثر تعقيداً» كما أشار السيد حسن نصرالله في ليلة الحشد الكبير.

تُبدي الجهات المنظّمة ارتياحها للصورة العامة للمسيرة «يكفي أن تنتظم الحشود، برغم الظّرف المحيط، بسلامٍ ورضى لكي يكون الجهد جباراً». «حزب الله» الذي اختار هذه السّنة شعار «الحسين سرُّ انتصاراتنا» عنواناً مركزياً لمراسم عاشوراء، يعرف جيداً كيف ينتقي كلماته. يشير الشيخ علي ضاهر (مسؤول الأنشطة الإعلامية في الحزب) إلى أن عملية «طبخ» الشعار المركزي للمناسبة يجري التحضير لها قبل وقت طويل. «نستحضر خطابات السيد حسن (نصرالله) آخذين بالاعتبار وضع المنطقة في هذه المرحلة ومنها ننتزع الشّعار المركزي».

لا يحبّذ المنظمون الخطوات الارتجالية، لكنهم يستوعبون مبادرات «تطوعية» تصب في خدمة «الحدث» كتلك التي رعتها حملة «أحيوا أمرنا» هذا العام من خلال تنظيم ثلاثة مواكب مخصصة لـ «اللّطم».

يمسح «سلمان» وجوه المشاركين في «الموكب الجامعي» بالتربة الحسينية، وكلّهم من طلاب الجامعات الخاصة. يشير سلمان إلى أن كلاً من الشهيدين جهاد مغنية ومحمد جوني كان لهما دور كبير في تأسيس الموكب قبل أربع سنوات، لافتاً إلى بصمات خاصة للشهيد جوني عند رفاقه. قريباً من سلمان، يتفقّد «أبو صادق» أسماء المشاركين في موكب «بالعشق جئناكم على طريق القدس». ولكن من أين تمر طريق القدس؟ يُسأل الرجل الذي يقول ممازحاً: «اليوم ستمر من هنا، من جادة هادي نصرالله». أبو صادق يتحدث عن فلسفة الشعار القائمة على العشق: «ثورة الإمام الحسين هي محض عشق للحق والفداء والحب والإيثار والدعوة والحوار مع الآخر، وهي ليست حركة إقصائية».

بعيداً من المواكب المتقدّمة، يراقب أحد أعضاء «اللجنة التنظيمية» مسار الحشود منسّقاً العمل مع «الإخوة» في اكثر من «نقطة» في مهمة خبرها منذ خمسة وعشرين عاماً مع مجموعة من رفاقه. الحزب الذي توسّع وتمدّد «جسمه» التنظيمي كثيراً في السنوات الأخيرة ما زال يسعى، وبفعل الأعباء المتزايدة، إلى استقطاب مزيد من الناس. هكذا توحي المهمّة التي يقوم بها بعض العناصر تحت مسمى «لجنة الاستقطاب» برغم أن هؤلاء يقولون إن تسجيل أسماء الراغبين يتم «بهدف التوعية الدينية» فقط...

على الضفّة الأخرى من المسيرة العاشورائية، حضرت فاطمة، ابنة السنة والنصف، مع أمّها فيما «غاب الوالد بداعي الشهادة». تقول الأم مردّدة عبارات من قبيل «الحمدلله على هذه المكرمة». يتفرّق حشد «الأخوات» تحت جسر صفير لاختصار المسافة إلى ملعب «الراية». هناك خرج «السيد» مباشرة على الجمهور الكبير، للمرة الثانية في أقل من أربع وعشرين ساعة، موجهاً لهم التحية على ثباتهم وصبرهم.

قبل ختام «المراسم» كانت عشرات الفتيات المتطوعات من «مدرسة المهدي ـ الحدث» تقوم بمهمة تنظيف بعض المساحات المحيطة من النفايات. تقول نادين حمود، وهي متطوعة في حملة «من أجل الحسين»، إن الحملة لاقت تجاوباً من بعض الناس أيضاً، مشيرة الى «أن الحملة ستتوسّع في العام المقبل». هل الأمر بداية «حراك بيئي» على هامش مسيرة عاشوراء؟ لِم لا؟

نصرالله: لا بديل عن الحوار

وكان السيّد نصرالله، الذي أطلّ لليوم الثاني أمام «الحشود الحسينية متحدياً التهديدات الإرهابية التكفيرية، قد أكّد أنه كما «هزمنا اسرائيل، سنهزم التكفيريين وسادتهم الأميركيين في حربهم على مقدّساتنا ومنطقتنا».

ودعا الأطراف اللبنانية إلى عدم الرهان على تطوّرات المنطقة، من سقوط سوريا «لأنها لن تسقط» أو الحرب على اليمن «لأنه وهم»، أو كما سبق وراهنوا على البرنامج النووي الإيراني «فلم يتبدّل شيء لأن إخواننا في إيران يضحّون بمصالحهم من أجل الأمة، بل المبادرة إلى إيجاد الحلول بعيداً من البحث عن الشعبية واختيار مصيرهم بعيداً من أي تدخّل، والتعاطي بجدية مع الحوار الوطني لأن لا بديل عنه في المدى المنظور».

وقال للسياسيين: «لا تنتظروا حواراً إيرانياً - سعودياً، فالأمور تزداد تعقيداً إلى الحدّ الذي سيؤدي الى انهيار البلد»، مشدّداً على أن لا «أحد يفرض علينا قراراً، فنحن ننتخب من نشاء ونقبل بقانون الانتخاب الذي نشاء، لأننا سادة عند الولي الفقيه وغيرنا عبيد عند الولايات المتحدة»، مضيفاً: «تضيّعون الوقت بتوجيه التهم. أنتم تمنعون انتخاب الممثل الحقيقي والصحيح للبنانيين».

وتوجّه نصرالله إلى التكفيريين والإسرائيليين والنظامين السعودي والأميركي قائلاً: «لا نعطيكم بيدنا إعطاء الذليل فنحن أهل الجهاد والمقاومة ولا نُقرّ إقرار العبيد، فإذا كان في المنطقة أسياد وعبيد، نؤكد لكم أننا أسياد عند الولي الفقيه».

وشدّد على الاستمرار في مواجهة المشروع الصهيوني - الأميركي، وفي رفع الجهوزية العسكرية للمقاومة، مؤكداً أن «لا نتنياهو ولا جدّ جدّه، سيمنعنا من امتلاك السلاح للدفاع عن لبنان وشعبة في وجه أي حماقة من إسرائيل».

وجدّد نصرالله ثوابت المقاومة في قضايا المنطقة، من الوقوف إلى جانب أحقية الفلسطينيين في الدفاع عن مقدّساتهم، داعياً المجتمع الدولي إلى دعمهم، مستنكراً «العدوان الأميركي - السعودي» على اليمن واستباحة الرياض لكل المحرّمات فيه، محمّلاً المملكة مسؤولية «الإهمال والتقصير» في الحفاظ على سلامة الحجاج في مِنى، داعياً إلى فتح تحقيق في المجزرة.

كما أدان «قمع» نظام آل خليفة للشعب «الصابر في البحرين والعازم على تحقيق حقوقه في الحرية والسيادة والكرامة مهما اشتدّ القمع والإرهاب».

فراس خليفة

السفير بتاريخ 2015-10-26 على الصفحة رقم 4 – محليّات

http://assafir.com/Article/453271

Script executed in 0.050436019897461