ميركل أمام امتحان لصلابة أعصابها: مهلة نهائية لصد سيل اللاجئين!

الخميس 29 تشرين الأول , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,637 زائر

ميركل أمام امتحان لصلابة أعصابها: مهلة نهائية لصد سيل اللاجئين!

 خلال رده على أسئلة «السفير»، أكد أن لدى تركيا هامشاً كبيراً للمناورة، قبل أن يكمل المشهد الذي بدأ رسمه، بالقول إن «القوارب المطاطية يمكن توفيرها بسهولة. يمكن القول عملياً إن اللاجئين لا يحتاجون إلى شبكات تهريب إذا استمرت سياسة إغماض العين في أنقرة».

لتتمكن الحكومة التركية من تحصيل أقصى ما تريده، يمكن للهامش المذكور أن يتسع للكثير. يمكنه أن يصل إلى مستوى احتجاج الأتراك بأنهم، في ترجمة لكلمات المسؤول الأوروبي، لن يستطيعوا منع الناس من التجول على الشاطئ، أو نفخ إطارات مطاطية للسباحة الشتوية. أمام الانسداد التركي، خصوصاً مع العطالة التي تفرضها الانتخابات المرتقبة بعد أيام، تتوجه الأنظار إلى ألمانيا. هناك ستواجه مستشارتها أنجيلا ميركل، بالتزامن مع الانتخابات التركية، امتحاناً جديداً لقوة أعصابها المدعومة باستطلاعات الرأي.

عناوين الضجة حول تأثير «أزمة اللاجئين» على ميركل ليست كثيرة، لكن الزعيم البافاري هورست زيهوفر كان من بين أبرزها. توجيه الانتقادات صارت هواية مفضلة للرجل الذي يحكم الإقليم الألماني الغني. مسلسل الانتقادات وصل حدّ تهديده باتباع سياسة منفردة، خارج سياق النهج الاتحادي الذي تقرره برلين للأقاليم الألمانية. معلناً مهلته «النهائية»، قال زيهوفر إن لدى ميركل حتى يوم الأحد المقبل، لتقدم أجوبة «ناجحة» لاحتواء سيل اللاجئين. غير ذلك، حذر بأن بافاريا «ستنظر ما هي خيارات التحرك التي لدينا».

غضبُ الرجل اشتدّ بعدما قررت النمسا التصرف كما الباقين، من دون كثير عناد لم ينفع. صارت السلطات هناك تنقل آلاف اللاجئين إلى الحدود مع بافاريا، لتتركهم يواصلون طريقهم مشياً. في السابق كان ذلك يحصل بتنسيق معقول، لكن مؤخراً صارت فيينا لا تجد مانعاً من شحن آلاف اللاجئين، في ساعات الليل، حتى من دون إخطار الجانب الألماني. بعدما تبنّت برلين الغضب البافاري من النمسا، وعدت السلطات هناك بالعودة إلى التنسيق السابق.

الموعد «النهائي» الذي أعطاه حاكم بافاريا لم يكن اعتباطياً. الأنظار تتجه إلى القمة الألمانية حول «اللاجئين». يوم السبت، ستلتقي ميركل حليفها زيهوفر المتبرّم. في اليوم التالي، سيجتمعان مع زعيم «الحزب الديموقراطي الاشتراكي» سيغمار غابرييل، الشريك في الائتلاف الحاكم.

هواية توجيه الانتقادات ضاعفت الحاجة إلى التنسيق بين ميركل وزيهوفر. الأخير يقود الحزب البافاري الشقيق لحزبها، «المسيحيون الديمقراطيون»، ليكون بمثابة الجناح المشتدد فيه. تريد المستشارة إرضاءه ما أمكن، لذلك صار حزبها منفتحاً على إقامة مراكز تجميع اللاجئين على الحدود، لتنفيذ سياسة ترحيل سريعة لمن لن يتم قبولهم. إقامة حواجز إضافية هي أيضاً ضمن خطة المواجهة، لكن كل ذلك يصطدم بمعارضة واضحة للحزب «الاشتراكي»، سيحملها زعيمه إلى القمة المصغرة.

لكن كل الضجيج حول تدهور شعبية ميركل، وحزبها، لم يجعل المستشارة تتراجع عن سياساتها تجاه اللجوء. هذا الضجيج بدوره يبدو خُلبيّاً، حينما يتم التدقيق بحجم التراجع وفق استطلاعات الرأي. ما يقال إن التأييد لحزب المستشارة هو في أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات. لكن هذا يمكنه رسم صورة مغلوطة. آخر الاستبيانات تؤكد استمرار حزب ميركل في الصدارة مع 35 في المئة، ما يعني أنه خسر فقط واحداً في المئة من التأييد، متجاوزة خصمها الاشتراكي بأكثر من 10 في المئة. هذا برغم تهويل خصومها المتطرفين بتعرض أوروبا لـ «اجتياح» من اللاجئين. حزب الخضر عزز موقعه ليكون ثالثاً، مع 11 في المئة، متجاوزاً حزب «اليسار» الذي أعطته الاستطلاعات 9.5 في المئة. خلف كل هؤلاء، لا يزال القلق قائماً من مكاسب حزب «البدل لألمانيا» الذي كسب واحداً في المئة، ليستقر التأييد له بحدود 8.5 في المئة.

التحدي الذي تواجهه ميركل هو إمكانية خروج الحزب البافاري الشقيق عن التحامهما، وتحوله إلى حزب يعمل في الإطار الاتحادي، في وقت يقتصر نشاطه الآن على إقليمه. المشادات بين الشقيقين ازدادت، خصوصاً بعد قمة طريق البلقان، يوم الأحد الماضي، حينما اجتمع زعماء الدول المعنية ليخرجوا بخطة عمل بقيت على الورق. المفوضية الاوروبية نفسها انتقدت ذلك، متحدثة عن «البطء الشديد». قال رئيسها جان كلود يونكر متأففاً مما حصل، إن الزعماء الاوروبيين «يمشون بتباطؤ، في حين المفترض أنهم يركضون».

الركض أو التمشّي لا يبدو أنه سيحل «أزمة اللاجئين»، كما يسميها الاتحاد الأوروبي، طالما أن تركيا مستمرة في فتح بوابتها عن كامل سبق الإصرار والتصميم على انتزاع تنازلات أوروبية عديدة. العبث يؤكده لجوء المنتقدين إلى سلوك السياسة التي كانوا يدينونها.

هذا ما تفعله النمسا الآن. فهمت أن لا نتيجة من إجراءات الصدّ، مع كل التبعات السياسية لها، سواء لجهة سمعة «القيم الأوروبية» عالمياً، أو لمن سيتحمل مسؤولية تلطيخها. سارت فيينا مع التيار، كما فعلت قبلها كرواتيا، وتبعتها سلوفينيا. دفعات اللجوء التي تشحنها لها طريق البلقان، على منوال سباق التتابع، تقوم هي أيضاً بشحنها لألمانيا، مكررة خلاصة جيرانها: إذا كان يمكن تفريغهم، فلماذا نتحمل مسؤولية صدّهم؟

لكن النمسا ستعلق في قضية تتجاوز مناورات سباق التتابع للتخلص من اللاجئين. سيكون ذلك بالفعل مهلة «نهائية» هذه المرة، ليس لفيينا وحدها، ولا لميركل، بل لكل منطقة «شنغن» للتنقل الحر مع دول الـ26. في منتصف تشرين الثاني المقبل، سيكون قد مضى شهران على تطبيق النمسا الرقابة الحدودية، وهي المدة الأقصى التي تتيحها اتفاقية «شنغن» ضمن ظروف أزمة طارئة. حينها سيكون فرض الرقابة أول خرق فعلي للاتفاقية، ما يفتح الباب أمام خروقات أخرى تهدد بانهيارها عملياً.

لا تريد برلين تسيّباً كهذا يلغي «حرية التنقل» التي تعتبرها، مع بروكسل، أكبر المنجزات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمواطنيه. سلب هذا المنجز، مع مواجهة الحدود وتفتيشاتها، سيجعل هؤلاء المواطنين يطرحون أسئلة محرجة حول جدوى «هذا الاتحاد». هذا بدوره ليس وقته على الإطلاق، خصوصاً مع صعود أحزاب اليمين المتشدد التي تقول إن تقوية الاتحاد لا جدوى منه، مطالبة بالرجوع لدول وطنية قوية.

الحل سيكون «فقط مع تركيا»، كما قالت ميركل نفسها، مغلفة القضية بضرورة تحويل تدفقات اللجوء «اللاشرعية إلى شرعية». سيكون أمام الأوروبيين أسبوعان للتفاوض مع حكومة تركية جديدة، سيكون لحزب الرئيس رجب طيب أردوغان حصة مهمة فيها، إن لم تكن له الغلبة التي تمكنه من الحكم منفرداً. تطبيق اتفاقية «الإعادة» مع أنقرة هي أقصى ما تطمح إليه بروكسل، ما يعني إعادة جميع اللاجئين القادمين إلى أوروبا عبر تركيا إليها.

حتى تحين لحظة نضوج الصفقة مع تركيا، يحاول الأوروبيون القيام بخطوات مكملة: اتفاقيات «إعادة» أخرى تجري محاولات لإبرامها وتطبيقها مع باكستان، وطرحها أمام أفغانستان وبنغلادش، إضافة إلى كل دولة أفريقية ممكنة، تشييد مستوعبات كبيرة لاحتجاز اللاجئين في اليونان وإيطاليا، لتتسع لمئة ألف لاجئ، على أمل الوصول إلى آلية دائمة لتقاسمهم مع الأوروبيين، معسكرات احتجاز مشابهة في الخارج، حيثما أمكن، مع تصميم برامج «إعادة توطين»، تلتزم عبرها أوروبا باستقبال نسبة «شرعية» منهم.

هنا أيضاً، لن تقبل حكومات دول «الطرف الثالث» بالخروج من دون غنائم. الأزمة شغالة، والجميع يريد التكسّب على حساب من لا حول لهم ولا قوة. هذه الدول ستواصل استخدام سلاح يأس مواطنيها، مشترطة لإعادة استقبالهم برامج مساعدات معتبرة، إضافة إلى ما يمكن من مكاسب سياسية. المساومة حتمية هنا أيضاً: لا يمكن لطائرات الترحيل أن تنطلق من أوروبا لتحطّ في مطارات هذه الدول من دون قبولها. هكذا ستواصل «مكنة» القرار الأوروبي العمل، ببطء لكن بحسم، بانتظار الحصول على مفتاح الحل... التركي!

وسيم ابراهيم 

السفير بتاريخ 2015-10-29 على الصفحة رقم 10 – عربي ودولي
http://assafir.com/Article/1/453908

Script executed in 0.29972314834595