مترو في لبنان: لا حاجة للسيّارات بعد اليوم!

الخميس 05 تشرين الثاني , 2015 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 22,450 زائر

مترو في لبنان: لا حاجة للسيّارات بعد اليوم!

سينتيا سركيس - MTV

قبل أن تبدأ نشرة الأخبار الصباحيّة، كنت نهضت من فراشي وشغّلت التلفزيون، أبحث فيه عن السياسة فلا أجد، رغم أننا مقبلون على انتخابات نيابيّة الشهر المقبل. تغزو استطلاعات الفنادق لموسم الصيف نشرات الاخبار، الجميع مزهوّ ومغتبط يتباهى بنسبة حجوزاته المرتفعة، يستعدّ لاستقبال ما استطاع من السياح، بعدما بات لبنان، الموطن الصيفي للاجانب.

داهمني الوقت على غير عادة. خرجت من منزلي الكائن في جبيل، وتوجّهت إلى محطة المترو، فاتني قطار العاشرة، فتوجّهت إلى المقهى المجاور، بانتظار قطار العاشرة والنصف، فمهما بحثتَ في لبنان، لن تجد احداً يحترم مواعيده كهذا المترو. ابتعت شطيرة وفنجان قهوة وجلست، ورغم أنه ليس من عادتي استراق السمع إلى أحاديث الآخرين، إلا أن حديث عجوزين كانا يجلسان خلفي أغراني، فإذ بي أتنصّت عليهما. كانا سعيدين بنتائج الفحوصات التي اجرياها تبعا لقانون ضمانة الشيخوخة، وها هما يَعُدّان الأيام المتبقية قبل السفر إلى أوروبا ككلّ عام، لغَرْفِ القليل من الراحة بعد سنين العمل الطويلة. وُجهَتُهما هذا العام ستكون بلجيكا وإيطاليا. هو يَعِدُها بتذوّق الشوكولا الألذّ في العالم، بينما هي تتساءل عمّا إذا كان "الطليان بعدن حلوين".

 

كادت حشريتي تنسيني القطار. رميت ما تبقى من الشطيرة، وركضت باتجاهه، فالجوع يبقى أبخس الحلول امام الغرامة التي تنتظرني في حال ضبطوا معي طعاما في الداخل.

مدة الرحلة اليومية إلى بيروت، خمسة عشر دقيقة، أنقّل فيها نظري بين الجالسين في المترو قبالتي، وما أكثرهم، وبين مشاهد بيروت الجميلة التي تضجّ حياة وحبّا. كحلم اليقظة هي، تستقبلك بالاخضر على الشرفات، فتبدو لناظرها كباقة من الزهور مطعّمة بذكريات يطيب لك تنشّقها. يشقّ القطار لنفسه طريقاً على طرفها، وكأنّه يواعدها يوميّاً باللقاء، يرتشف من عذوبتها رمقاً يكمل به السبيل.

 

وصلنا إلى محطة ساحة الشهداء، المكان مكتظّ والألوان تملأ المكان، كيف لا والموعد اليوم مع المهرجان السنوي لوداع فصل الربيع، حيث يتنافس لبنانيّون مع آخرين من كلّ بقاع الارض على تصميم أجمل عربة زهور. هذه السنة، لم أحضر كعادتي للاستمتاع فقط، إنما أتيت للعمل، فأغطي على الورق بعضا من عبير المشاهد، وأستطلع آراء المشاركين والمنظمين.

السياسيون حضروا مع عائلاتهم، فالمناسبة ينتظرها الكبار كما الصغار، حاولت استصراحهم في السياسة من دون نتيجة. وحده وزير الاقتصاد، كان مزهوّا يفاخر بالنموّ الذي حققه لبنان في العامين المنصرمين، وهو حائز على ماجيستير في العلوم الاقتصادية.

 

ومثله وزير الاتصالات، الذي انهال عليّ بسرد مشاريعه ليصبح الانترنت شبه مجاني، بعدما نجح بتحقيق هذا الامر في المخابرات الهاتفية. يُكثِر بالكلام كإكثاره بالعمل، كلما التقيته أعاد على مسمعي سرد قصصه في فرنسا، حيث قضى 8 سنوات، وحاز على دكتوراه في هندسة الاتصالات.

 

نجحت بالتملّص منه بعد معاناة، فوقعت في أسر إحدى قريباتي، التي تستفيد من الـ90 يوما المعطاة لها بعد الولادة للتنزه بصحبة عائلتها، بدلا من الراحة. تخبرني كيف أن أخاها متميّز في الجامعة وينال علامات مرتفعة، كيف لا وهو خرّيج مدرسة رسميّة، تجدّ عليها الدولة لتحصد مواطنين ناجحين.

 

في طريق العودة، قررت أن آخذ المترو من محطة أخرى في العاصمة، للتنزه والاستفادة من الطقس الجميل... فهنا حياة وفرح إنما من دون ضجة أو أبواق سيارات، وحدها نغمات بعض الآلات الموسيقية المنتشرة على الأرصفة تتسلل إلى مسمعك، لا زحمة سير أو ما شابه، فأكثر من نصف السكان استغنوا عن سياراتهم بعدما أنشئ المترو.

لدى وصولي إلى المحطة، فوجئت بالرئيس الذي كان عائدا بصحبة زوجته من مهرجان عربات الزهور، عرفت ذلك من الباقة التي تحملها السيدة الأولى وعليها شعار الاحتفال، فلولاها لما علمت أنهما كانا حاضرين بين الحشود. هما أخذا المترو إلى بعبدا فيما اخذت انا الآخر لأكمل مشواري باتجاه جبيل.

 

يقولون، عندما لا تستطيع تغيير الواقع، تخيّله. وهذا ما فعلته... ففي وطن لا تملك فيه لا حول ولا قوّة للتغيير، ما عليك إلا بالحلم، ففي الحلم وحده لا شيء مستحيلاً. هو "لبناني" الذي أريده، قد يبقى حلماً، أمّا إذا تعطّف الله علينا، وحقّق هذه المعجزة، فإنّ أحفادنا قد ينعمون بالحقيقة الحلم. 

في الماضي كانوا يطلقون على لبنان تسمية "سويسرا الشرق". حبّذا لو، يوماً ما، يتباهى السويسريّون ببلدهم فيقولون "هنا لبنان الغرب". قلتُ حبّذا لو...

سينتيا سركيس - MTV

Script executed in 0.023368120193481