مائدةُ الوَرَق

الجمعة 06 تشرين الثاني , 2015 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,667 زائر

مائدةُ الوَرَق

 الأولى متواضعة متقشفة كوجبات بسطاء الناس أنّى كانوا في رياح الأرض، والثانية دسمة شهية تكاد «سعراتها» تفوق الأولى من فرط غناها وتنوعها. إلى جانب لقيمات اللبنة والجبنة والزعتر والزيتون والبطاطا والبرغل والعدس وسواها من قاموس المائدة الريفية المباركة، كنتُ ألتهم الأخبار والمقالات المكتوبة في تلك الصفحات التي فات عليها الزمن وألقى بها أرضاً لتكون مجرد بساطٍ لموائد البسطاء. أتناول لقمة وأقرأ سطراً، هكذا دواليك حتى نقوم عن المائدة، ألتهمُ كلَّ ما تقع عليه عيناي سواء كان سياسةً، أدباً، فناً، رياضةً، حتى صفحة الوفيات لم تكن تنجو. ألتهمُ الأسطر والأحرف وأنسى تناولَ وجبة الطعام. كانت لحظات ولا أمتع، حصّلت معها زاداً لا بأس به، خصوصاً حين رحتُ أستعيض عن الجرائد والمجلات بكتابٍ أضعه مفتوحاً الى جانبي كلما هممت بتناول الطعام، وكم تناولت الفطور مع نجيب محفوظ والغداء مع فكتور هوغو والعشاء مع غادة السمّان، لأكتشف بعد حين أن تلك القراءات التي كانت بدافع التسلية وتزجية الوقت تحولت مع الأيام زاداً معرفياً كلما غَرَفنا منه زادَ ولم ينقص.

العلاقة الحميمة مع الورق العائدة الى زمن مضى وانقضى، قد لا يفقهها مَن لا ينتمي مثلي الى جيل الحبر والورق. صعبٌ على مَن تفتّح وعيه على الشاشات واللمس والأجهزة الذكية أن يفهم سرّ الشغف الذي يحمله جيلنا وسابِقوه حيال الصفحات التي يعلَّق أثرُ حبرها على أطراف الأصابع. أجمل الكتب في مكتبتي اليوم هي تلك التي أكلنا عليها وشربنا. نعم، ليس الدهر مَن أكل عليها وشرب بل نحن (الدهر كما هو معلوم يزيدها قيمة وأهمية) وأكاد أقول بالمعنى الحرفي لا المجازي، فكم من صفحات تلطخت ببقايا مناقيش الزعتر والزيت، وكم من صفحات أخرى تزركشت بخطوطٍ ورسومٍ وخربشاتٍ من زمنِ الولدنة أو المراهقة، وكم من ورودٍ يبست أوراقها بين الصفحات عربونَ شوقٍ وتوقٍ الى زميلة عرفنا معها معنى الحُبّ من طرف واحد من دون امتلاك الجرأة على مكاشفتها بما يعتمل بين الضلوع، يومها كان الخفر مُستَحبّاً وعلاقات الجنسين تشبه أغنيات فيروز والأخوين الرحباني. لِكلِّ كتابٍ حكاياتٌ تُضاف الى أسطره ومضامينه، فتمنحه قيمةً مضافةً بأن تجعله شاهداً على أحداث وأحوال عامة وخاصة، لا سيما متى تفحصنا الهوامش التي كنّا نلخص فيها ما نقرأ أو نسطّر انطباعاتنا عن هذه الفكرة أو تلك.

 

كبرنا، شابت الأيام وما ذبلت الأحلام، صار الكتاب المشفوع بتوقيع صاحبه يحظى بمكانة لا تتأتّى للكتب الأخرى. في جعبتي اليوم كتبٌ موقعة من سعيد عقل وعبدالوهاب البياتي ومحمود درويش وجوزيف حرب وأنسي الحاج وعبدالرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وجمال الغيطاني وسواهم من مبدعين رحلوا تاركين كتبهم مثابة مصابيح مضاءة في القلب والوجدان وفي الوعي والذاكرة، الى جانب مئات التواقيع من مبدعين أحياء، كلماتهم بخطِّ أيديهم تجعل كتبَهم أكثر امتاعاً ومؤانسة. فالعلاقة بالكتاب لا تتوقف بمجرد الانتهاء من قراءته. متى اقتنيناه؟ مَن أهدانا إياه؟ في أي مرحلة من مراحلنا العمرية قرأناه؟ أيُّ ذكرى خلّفها في النَّفْس والوجدان؟ وسواها من مسائل تقيم بيننا وبين كتبنا وشائج قربى لا تقوى الأيام على تقطيع أواصرها، حيث لكل كتاب صلة ما بأمرٍ ما حدث لنا أو عايشناه وكنا شهوداً عليه.

للكتاب لغة. لغةٌ أخرى غير التي خطّها قلمُ مؤلِّفه، لونُ الورق يقول لنا ما يقول، حفيف الصفحات، ملمس الأوراق، رائحة الحبر... جميعها تؤلف أبجدية موازية تضاهي أحياناً أبجدية الأحرف والكلمات، وتغدو أوركسترا تعزف لعاشقِ الكتب سمفونيةَ شغفٍ لا يضاهيه إلا الوقوع في الحُبّ. لعلها رؤية شاعرية بعض الشيء، لعلها رومانسية عاشق قديم، لعلها مجرد تحية (غداة انطلاق موسم معارض الكتب في العواصم والمدن العربية) الى الكتب الورقية التي لا تشترط علينا توافر «واي فاي» ولا شاحن أو بطارية وكهرباء، تبقى معنا في السَّرَّاء والضَّرَّاء، في الحُبّ والهجران، في الابتسامة والدمعات، في الأفراح والأتراح... وَيَا ضيعان مَن ليست له مائدة كتاب.

بقلم: زاهي وهبي


Script executed in 0.029726982116699