كيف خرج حيّاً من "حفرة الجناح"؟

الإثنين 09 تشرين الثاني , 2015 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,066 زائر

كيف خرج حيّاً من "حفرة الجناح"؟

الضّحيّة رقم "ستّة" للحفر

منذ أربعة أيّامٍ كان محمّد نعمة يجول بجوار المبنى. حارَ الشّاب وهو يبحث عن مكانٍ لركن سيّارته. أصدقاؤه بانتظاره للعب الورق في المقهى المقابل، ولم يعُد بإمكانه الانتظار أكثر. ارتأى الشّاب ذو الواحد والعشرين عاماً أنّ الحلّ الأنسب هو ركن سيّارته في الشّارع المقابل للمقهى، وبالتّالي للمبنى.

وجدَ محمّد في اختصار المسافة بين ذاك الشارع والمقهى، عبر عبور المبنى، طريقةً أسرع للوصول إلى المقهى. ولكن ما لم يكن يعرفه الشّاب أنّ ذاك القرار كاد أن يودي بحياته.

تصمت والدته قليلاً وهي تروي القصّة. تعيد تشكيل السّيناريو في مخيّلتها للمرّة الألف. تتحفّظ عن الكثير، وتروي ما تقوى على إخباره.

"أنا ووالد محمّد مطلّقان"، تتابع والدة محمّد. "كنتُ أظنّ أنّ محمّد موجودٌ لدى والده، والأخير يعتقد أنّه موجودٌ لديّ". ظنونٌ كادت أن تودي بحياة الشّاب. وبعد مرور ليلةٍ كاملة، بدأت التّساؤلات "أين محمّد"؟!

عند السّاعة الواحدة ظهراً بدأت مرحلة البحث عن الابن الضّائع. توجّه الوالدان إلى قوى "الأمن الدّاخليّ"، الّتي عمدت بدورها إلى رصد هاتفه الخلويّ، وبالتّالي تحديد مكانه الجغرافيّ. وقد أشار هاتفه إلى أنّ المرّة الأخيرة الّتي استعمله فيها كانت في منطقة الجناح.

بعد مرور 18 ساعة على غيابه، وتحديداً عن السّاعة السّادسة مساءً، وجد الوالدان والقوى الأمنية سيّارة محمّد مركونةً إلى جانب المبنى. هنا ازدادت الشّكوك، وارتفع منسوب المخاوف.

كيف لا يرتفع الخوف والمبنى مشهورٌ بقصصه وحُفره؟ في البداية، صُبّت الاحتمالات حول فكرة تعرّضه للخطف. إلا أنّ الوالد أصرّ على أنّ محمّد موجودٌ داخل المبنى. ألحّ على فرضيّته، وتبعها باحتمال تعرّضه للقتل والرّمي داخل المبنى الضّخم والغامض.

دعّمت رواية ناطور محطّة البنزين المجاورة للمبنى شكوك الوالد. ربط الرّجل مصير الشّاب بمصير من سبقه. "أكيد واقع بالجورة، في قبلو خمسة واقعين بنفس الجورة"، قال النّاطور، فدُعّمَت النّظريّة أكثر.

نظراً لمعرفته الكبيرة بالمكان، طلب النّاطور من الوالدين والقوى الأمنيّة معاينة المكان والبحث في الحفر الكثيرة، والّتي يصل عددها إلى أكثر من خمس حفر، علّهم يجدون الشّاب في إحداها.

وبالفعل، صدقت شكوك الوالد وترجيحات النّاطور. فبعد بحثٍ مطوّل عُثر على الشّاب ملقًى في إحدى الحفر الّتي باتت تشكّل "معالم" للمبنى. وهو يقبع اليوم في مركز العناية الفائقة في مستشفى "الجامعة الأميركيّة" في بيروت. كسورٌ كثيرة تعرّض لها جسده. وقد أجرى عمليّةً في وركه المكسور، بانتظار إجراء عمليّةٍ أخرى في الأيّام المقبلة.

 

كيف أمضى ليلته داخل الحفرة؟

لو كانت عمليّة الإنقاذ تمّت عند السّاعة الثّامنة مساءً بدل السّادسة لما استطاع محمّد البقاء على قيد الحياة. يعاني الشّاب من مرض السّكّري، ومن حسن حظّه أنّه كان يملك عقاقير الإنسولين الّتي يأخذها في علاجه. على مدى 18 ساعة تمكّن محمّد، وبصعوبةٍ شديدة، من حقن نفسه بالدّواء. إلا انّه ومع وصول القوى الأمنيّة لإنقاذه، كان الدّواء قد نفذ منه، وكانت قواه، حرفيّاً، قد خارت.

على الرّغم من صعوبة تخيّل حالة محمّد النّفسيّة والجسديّة خلال الليلة الّتي قضاها في "قبوه"، إلا أنّ هناك إمكانيّة لتخيّل تفاصيله: رجلُ ممدّدٌ في حفرةٍ عمقها أكثر من 12 متراً، كسورٌ كثيرةٌ تجتاح جسده، فيعاني آلاماً لا تُحتمل، أكثر من 18 ساعةً من دون مأكلٍ أو مشرب إلا مياه الأمطار. كلّ ذلك، يوصل إلى حقيقةٍ مفادها: عجزه عن الصّراخ بملء صوته للأشخاص الّذين يتّخذون من المبنى مكاناً لركن سيّاراتهم، وبالتّالي تضاؤل احتمال تمكّنه من الخروج "إلى النّور".

قضى محمّد ليلته جالساً على النّفايات الّتي تجتاح المبنى وحُفره. قضى ليلةً كاملةٍ بين رائحتها النّتنة وكلّ أنواع الحشرات والجرذان الّتي "تنتعش" ليلاً. إلاّ أنّ للنّفايات فضلٌ على محمّد فهي ما أبقاه على قيد الحياة. تدعّم والدة محمّد هذه النّظريّة، مؤكّدةً أنّ وقوع محمّد عليها خفّف من أثر الضّربة وأبقاه على قيد الحياة، و"لولاها لكن إبني مات".

ليس محمّد الضحية الأولى لـ"الحفر". هو الرّقم ستّة على لائحة "الضّحايا". تمكّن الشّابّ من البقاء على قيد الحياة، لكن ليسَ كلّ من سبقه تمكّن من ذلك. فقد توفّي في السّابق شابٌّ نتيجة سقوطه داخل حفرةٍ من الحفر الكثيرة "المخيفة" داخل المبنى.

وفي السّابق أيضاً، تمكّن شابٌّ من البقاء على قيد الحياة بعد وقوعه في حفرةٍ مماثلة. قرّر التّحرّك، فقام بإغلاق الحفرة. إلا أنّ أحداً لم يعجبه الأمر، فقرّر إعادة فتح الحفرة بهدف رمي النفايات فيها.

واليوم، ومع تفاعل أزمة النفايات في البلاد، ارتفع استخدام مبنى "الحفر" لهذا الغرض. فأصبح "مكبّاً" بكلّ ما للكلمة من معنى. وبما أنّ الحفر "عميقة" وتستطيع التّحمّل، عمد الكثيرون إلى رمي نفاياتهم داخلها، من دون حسيبٍ أو رقيب.

بالنّسبة لسكّان المنطقة أصبح المبنى بحكم "المشاع". فأصحابه تركوا البلاد منذ اندلاع الحرب الأهليّة ولم يعودوا لاستكمال مشروعهم. وبناءً عليه، أصبح المبنى بحكم العام الّذي لا يخضع لأدنى معايير السّلامة العامّة.

السفير -  زينب سرور 

http://mobile.assafir.com/Article/1/455746

Script executed in 0.028364181518555