من أمّ الشهيد الى أمّ الانتحاري...

الإثنين 16 تشرين الثاني , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 33,524 زائر

من أمّ الشهيد الى أمّ الانتحاري...

زارت الكاميرات، طيلة أيّام، شارع عين السكّة، حيث وقع انفجارا يوم الخميس الماضي، في برج البراجنة. صوّرت العمّال وهم يرفعون الركام، وصوّرت الأهالي وهم يصرّون على مواجهة الموت بالمقاومة، وصوّرت أمهات تبكي وآباءً يكابرون وأطفالاً يفتخرون بأشقّائهم الشهداء. ثمّة نساء ورجال وأطفال لم تصل إليهم أيّ كاميرا. هي عائلات الانتحاريّين التي لا نلمح لها صورة، ولا نسمع منها تعليقاً ولا ندرك لها موقفاً. هل هي سعيدة بما "أنجزه" أبناؤها؟ هل تجد في موتهم شهادة؟ هل تبكي عليهم أو على من تسبّبوا بموتهم؟ وهل تخجل؟

هل يسأل الانتحاريّون، حين يمضون الى قتل أنفسهم والآخرين، عن أمّهاتهم؟ هل يتذكّرون حين كنّ يستيقظن طيلة الليل ليحملنهنّ لمساعدتهم على النوم؟ هل يتذكّرون حين كنّ يداعبن شعرهم ويغسلن جباههم بالمياه الباردة في مرضهم علّ حرارتهم تنخفض؟ هل يتذكّرون فرحتهنّ وطموحهنّ وأملهنّ الذي انفجر كلّه مع ذلك الحزام الناسف؟ 

لعلّ السؤال ساذج قليلاً: لماذا نحقّق أهدافنا عبر القتل؟ بل، لماذا نحارب في الجيوش ونقضي ليرفع آخرون شارة النصر؟ لماذا نستشهد بانفجارٍ من أجل أن يكرّس آخرون غلبتهم؟ لماذا نزنّر أنفسنا بأحزمةٍ ناسفة ونفجّرها وسط أبرياء، فيتبنّى آخرون الجريمة ويدّعون الانتصار؟ إذا كان الدين نادى بذلك، فتبّاً لهذا الدين. وإذا كان في الأمر عقيدة فتبّاً لهذه العقيدة. دموع الأمهات أغلى من ذلك كلّه. أغلى من الحروب وقادتها وأهدافها و"انتصاراتها"...

 

لن تخلع "أمّ الشهيد" لباسها الأسود بعد اليوم. ستنظر كلّ صباح من نافذة ألمها الى الشارع، حيث سقط ولدها. ستتخيّله يناديها من أسفل، ليطلب منها تحضير الغداء. لكنّه لن يصعد ليأكل. ستتأمّل صورته في الإطار الخشبيّ، ثمّ تمسح بحجابها دمعةً تسلّلت بين تجاعيد وجهها. ستدخل الى غرفته، وتمرّر يدها المرتجفة على سريره، ثمّ تركع الى جانب السرير، وتبكي، وتبكي... 

في مكانٍ ما، بعيداً عن شارع الفقراء في عين السكّة، ثمّة أمّ مضى ابنها ولن يعود، وهو اختار أن يزنّرها بحزام العار...

داني حداد -  mtv 

Script executed in 0.02225399017334