نسيب فواز ورحلة العمر من تبنين الى ديترويت ..

الجمعة 27 تشرين الثاني , 2015 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 12,579 زائر

نسيب فواز ورحلة العمر من تبنين الى ديترويت ..

ستون عاما مرت من عمر الرجل. تاريخ مازال حاضرا بقوة في البال وفي الذاكرة. 25 -11 - 1955، ومازالت الذكرى تشي بشيء من الحنين بالنسبة اليه. حنين الى ماض جميل رغم قساوته، والى ايام ولت يتذكرها وكأنها البارحة... حنين الى تبنين الغالية على قلبه والتي لم تغب لحظة عن باله، فبقيت حتى الأمس القريب "استراحة المسافر" بالنسبة إليه. حنين وشوق الى منزل العائلة وحقول الدخان والى الوالد الطيب، القبضاي، الحكيم كما يصفه، والى أصدقاء الطفولة والمراهقة ورفاق الأمس، والى ذلك "النبيه" رفيق الدراسة، الذي أضحى رئيسا لمجلس النواب في الوطن - الام. أحداث وذكريات وأحباء لا يغيبون عن البال، وان غاب معظمهم...

ليس من السهل او المفيد زيارة ميتشيغن او حتى مجرد التخطيط لزيارتها دون ان يرد اسم نسيب فواز في قائمة الشخصيات المراد لقاؤها. يجيد هذا الرجل صنع هالته الخاصة بحنكة وبدهاء وبخبرة مجرب. ينقسم حوله ابناء الجالية اللبنانية في ميتشيغن. منهم من يعترف للرجل بعطاءاته الكثيرة للجالية، ومنهم من يأخذ عليه حبه للصفوف الأمامية، وتمسكه بالمناصب! وفي الحالين يبدو الحاج الدكتور نسيب فواز حاضرا بقوة وبمحبة ووفاء الكثير من "خلانه"!

"نريدك ناجحا يا بني.. اعرف كيف تقتنص الفرص واستفد منها!!، وإياك ان تفعل ما تخجل من البوح به ".. وصية الوالد قبل ان يغادر ابن الخامسة عشرة قريته تبنين في جنوب لبنان الى اميركا لتحصيل العلم ولتحسين الاوضاع المعيشية. عبارة طبقها بحذافيرها كما يقول فواز: "زارنا خالي قاسم وزني المقيم في اميركا فقررت العائلة ارسالي معه الى اميركا لمتابعة دراستي. كنت راغبا بتحسين وضعي المعيشي ووضع العائلة. لم نكن فقراء ولكن الأحوال لم تكن جيدة كفاية. كان ابي رقيبا في الجيش اللبناني، وكنا نعيش من راتبه التقاعدي، كان الأهالي في ذلك الوقت يعيشون من زراعة الدخان التي ساعدت الكثير من الجنوبيين على العيش بكرامة وعلى تعليم اولادهم، وهو ما كنت أفعله شخصيا. فقد كنت أساعد العائلة بزراعة الدخان، وكان الصراع الطبقي والاقطاعي في اوجه حينها، ذلك ان عائلات قليلة كانت تمتلك الاراضي وتتحكم بالناس، اما الإقطاع الأقسى فقد تمثل بالحرمان الذي كان قائما، وبعدم وجود كهرباء ومياه وطرقات معبدة وتعليم، وهنا بيت القصيد، اذ كنا نذهب الى بنت جبيل او صور او صيدا لاكمال الدراسة المتوسطة. لم نملك رفاهية النزول الى بيروت لمتابعة الدراسة، من هنا بدأ الصراع.."

...من هناك جمع الطموح والرغبة بتغيير الواقع المعاش بين عامي 51 و54 الصديقين نسيب فواز ونبيه بري، والهدف كان الدراسة وعدم الإذعان لواقع الحال. أقاما سويا في غرفة صغيرة في بنت جبيل... يقول فواز: "في تبنين وفي عمر الخامسة عشرة تقريبا شكلنا مع الرئيس بري منتصف الخمسينيات قيادة حقيقية بعدما تأثرنا خلال دراستنا في بنت جبيل ببعض أبنائها وبحسهم القومي العروبي، وفي طليعتهم اساتذتنا من آل شرارة، فانشأنا ناديا للخطابة، كان الهدف منه تحفيز الشبان على التعبير ورفع الصوت، وبث الروح القومية والثورة على الواقع الرديء. كنا مؤمنين بالثورة السلمية... بعدها بقليل سافرت انا الى أميركا، وغادر نبيه بري الى افريقيا... خلال كل ذلك الوقت بقيت علاقتنا جيدة، وبقينا على تواصل دائم، وظل نبيه بري احد اقرب الأصدقاء الى قلبي".

من تبنين الى ميشيغن - ديترويت، لم يكن المشوار ورديا، بل مليئا بالمنعطفات وبالتحديات. واذا كان للقدر يد في رحلة نسيب فواز، فإن للإرادة والتصميم أيادي كثيرة. طريق شاقة مشاها الشاب الطموح بصبر وإيمان، تخللتها الكثير من المواقف الصعبة والمبكية في آن. يقول فواز: "كانت الطريق صعبة... فقد شكل مقتل خالي بعد سبعة شهور من وصولي الى اميركا على ايدي عصابة للسرقة منعطفا هاما في حياتي، اذ كنت اتكل عليه لمساعدتي في المراحل الأولى قبل البدء بالدراسة، انتقلت بعدها للعمل في معمل "كرايسلر" للسيارات، وتحديدا في تركيب قطع السيارات. كان العمل صعبا ومرهقا في الحقيقة. رغبت في هذه الاثناء بالعودة الى الوطن لولا خوفي من الشماتة. كانت الدراسة مازالت مؤجلة حتى استطيع جمع القليل من المال، عملت خلالها في مهن كثيرة ومنها مع خالي في دكانه، ومن ثم مع عمي محمد قاسم فواز الذي كان يملك دكانا اكبر. كنا نعمل ستة ايام في الأسبوع، أعمل نهارا وأدرس الهندسة ليلا. كان جسدي هناك وقلبي ما يزال معلقا في لبنان".

 

نسأل: ما الذي تعلمته في ذلك الوقت؟

يجيب: "تعلمت ان الصدق في التعامل مع الناس هو احد أهم اسباب النجاح، وان الإنسان هو الذي يتحمل مسؤولية فشله، وان الجد والاجتهاد هما اولى علامات النجاح، وعليه ايضا ان يبحث عن المشاريع الكبرى وان يكون مجازفا وشجاعا احيانا... كنت مجتهدا في عملي وبعد تخرجي من الجامعة عرض علي العمل مع شركة كبيرة لهندسة التكييف والتبريد في شيكاغو، فذهبت وبدأ مشوار الجهد الحقيقي. طوال 30 عاما لم آخذ استراحة واحدة باستثناء استراحة" الويك اند". تزوجت خلالها وأصبح لدي عائلة وأولاد، واستمريت في عملي بالشركة لسنوات وتنقلت بين فروعها في كل من شيكاغو ولبنان ودبي، ومن ثم عدت الى ميشيغن – ديترويت العام 78. وقد شكل ذلك العام منعطفا هاما في حياتي اذ قررت ان استقل بعملي وان اؤسس شركتي الخاصة، "الطاقة العالمية - اينرجي انتل" والمختصة بأمور الهندسة الكهربائية والميكانيكية... لم يكن قرارا سهلا لأنني لم اكن أملك شيئا إلا سمعتي وشطارتي. كنا ثلاثة اشخاص أنا وموظفان إثنان، استمرت تلك الصعوبات لسنوات خمس، عملنا خلالها بجهد كبير حتى استطعنا الحصول على مشاريع ضخمة، توسعنا بعدها وأصبح لدينا مكاتب في كل الخليج العربي من دبي الى ابو ظبي الى الكويت وبيروت والسعودية وقطر والشارقة واصبح لدينا ما يفوق الـ250 موظفا".

لم يتخل الحاج نسيب فواز عن مسؤوليته يوما تجاه أبناء بلده ومجتمعه، هو الحاضر دوما في كل المناسبات والمبادرات والمشاريع والقرارات المتعلقة بالجالية، وهو وإن انكفأ عن المواقع المتقدمة في إدارة شؤون الجالية، الا انه مازال يتمتع بالسطوة والحظوة لدى الكثير من أبنائها. يقول فواز: "في الجالية العديد من الرجال المهمين، وأفخر أني واحد منهم. بطبيعتي أحب العمل الإجتماعي، وأحب الجالية، والحمد لله نحن في ديترويت من أفضل الجاليات اللبنانية المتواجدة في العالم، لدينا الأطباء، والمهندسون، والأشخاص الكفوؤون والمتعلمون. يأخذ العمل الاجتماعي من وقتي الكثير، وقد عملنا ونعمل لمنع تفكك هذه الجالية، ذلك ان الاستحقاق الأكبر اليوم هو في مواجهة التمييز العنصري، والنزعات الإرهابية. لقد ساهمت شخصيا ببناء صروح دينية وثقافية وتعليمية، فأسسنا مثلا المركز الإسلامي، الذي يعتبر معلما ثقافيا ودينيا في ديترويت، كما أسست وترأست المجلس الاغترابي للأعمال العام 98، والذي ضم لبنانيين مغتربين من كل الطوائف والأطياف، وقد سبق لي ان أنشأت غرفة التجارة العربية الاميركية، وكنت رئيسا لها لمدة 10 سنوات قبل ان أتركها للجيل الجديد.

 

- والوطن؟

يبتسم الحاج نسيب فواز ويقول: "للأسف في لبنان الناس يعيدون في الإنتخابات إنتاج نفس السلطة التي تفتك بهم. لم نكن يوما كمغتربين متفرجين بل ساهمنا بدعم صمود اللبنانيين وأرسلنا المساعدات. ولكن آسف على القول ان الدولة غير مهتمة بأبنائها لا في الداخل ولا في الخارج. لبنان يظل وطن الإجازات، أزوره مرتين او أكثر في العام، وتبنين تظل بالنسبة لي أحلى الأماكن. لدي فيها منزل، وأرض، وحديقة كبيرة وعدد من شجرات الزيتون يعطوني مؤونتي من الزيت سنويا، وكم نحلة ينتجون لي عسلا صافيا، وتلك أعظم ثروة أمتلكها"!!

ريميال نعمة  - السفير 


Script executed in 0.034662008285522