النازحون إلى صقيع بعلبك: نقص في الغذاء والتدفئة والطبابة والعلم

الأربعاء 16 كانون الأول , 2015 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,837 زائر

النازحون إلى صقيع بعلبك: نقص في الغذاء والتدفئة والطبابة والعلم

هناك أيضاً تندب رسمية قدرو، من بلدة خناصر ريف حلب، حظها. على المرأة الأربعينية أن تربّي خمسة أطفال، هم أبناء زوجها الذي تزوّجته بعدما ماتت أم الأولاد بالسرطان. الزوج نفسه عاد واستُشهد في سوريا وترك لها «عيلة بينطب عليها الغربال»، لم يتجاوز كبيرهم الـ 13 سنة من العمر. تهتم رسمية فقط بمَن يحمل لها علبة حليب أو «غالون» مازوت لتدفئة الصغار، أما البقية، فغير مهم.

تعيش رسمية والأولاد الخمسة داخل خيمة تمتد على 12 متراً مربعاً، ومدعّمة بألواح عدة من الخشب الهش الذي قد تطيح به العواصف الثلجية أو الرياح. ومن الخيمة نفسها اقتطعت مترين حوّلتهما الى مطبخ ومكان للاستحمام ومنشر للغسيل. غطّت ما تبقى من مساحة بأكياس من «النايلون» وفوقها حرام مبلّل ورطب بسبب تسرب المياه من «الشادر» البالي. وبالرغم من حالها هذه، تشكر رسمية الله على ما هي عليه، وتحديداً كونها بقيت حيّة لتربي هؤلاء اليتامى «المقطوعين من شجرة». تحصل رسمية وعائلتها على 105 دولارات فقط من مفوضية اللاجئين شهرياً، فيما تراجعت التقديمات الأخرى من وقود مازوت ومواد غذائية ومنظفات. أما المنظمات الدولية الأخرى فقد أوقفت بدل النقل الى المدارس فعجزت عن إرسالهم للتعلم لعدم قدرتها على تأمين الكلفة. تبعد أقرب مدرسة الى المخيم حوالي ثمانية كيلومترات، هي المسافة الفاصلة بين مزرعة «بيت بو صليبي» وبلدة دير الأحمر. وتبعد أقرب دكان عن المخيم نحو 1500 متر، وعليه تقنن في الذهاب لتسوّق الحاجيات مع تأكيدها أنها «بالأصل لا قدرة لنا على شراء موجوداتها».

ومع قلة الدعم، لم يبق أمام رسمية لتدفئة الصغار سوى الحرج القريب. من هناك تجمع، وبمساعدتهم، أغصان الأشجار اليابسة والمتكسرة. ومع هطول الأمطار تصبح الأغصان نفسها غير قابلة للاشتعال بسبب امتصاصها للمياه فـ «تعسّ عسّ» في المدفأة. وهنا تسأل عمن يشعر بضحايا الحرب السورية المشردين في بقاع الأرض كافة «ثمن صاروخ واحد، ومن أي جهة أتى، يكفي لإطعام مخيمنا وتدفئته لأكثر من سنة أو سنتين».

بالقرب من رسمية تقع خيمة عبد الهادي محمد، من ريف حلب. يعيش الرجل مع 11 ولداً وزوجته في خيمة واحدة مقسّمة الى مطبخ وحمام. يرى فائدة أساسية في ازدحامهم هي تدفئة بعضهم البعض. ليس بعيداً عن خيمة عبد الهادي، وتحديداً بعد عشرة أمتار منها، أنشأت الأمم المتحدة مرحاضاً ولكن حفرته لا تزيد عن متر مربع واحد بسبب طبيعة الأرض الصخرية. لذا تُضطرّ العائلة وبوقت قصير جداً لإفراغ «الجورة الصحية» يومياً ولذا يفضل أفرادها قضاء حاجاتهم خلف الصخور وبين الأشجار المحيطة بالمخيم.

تمكّن محمد وثلاثة من أبنائه من إيجاد عمل مع أحد المزارعين في شك الدخان، ليؤمنوا دخلاً قدره 32 الف ليرة لبنانية في اليوم الواحد. لكن العمل موسميّ ومرهون بفترة قصيرة لا تتجاوز الـ 15 يوماً في موسم التبغ. وبذلك تم تأمين ثمن الخبز. ويكشف محمد ان المنظمات الدولية والمحلية لا تصل «الى منطقتنا وذلك إما بسبب تقليص المساعدات عن النازحين، وإما لبعد موقع المخيم عن تمركز المنظمات».

واختار النازحون بناء مخيمهم في «مزرعة بيت بو صليبي» البعيدة لأنهم لم يجدوا مكاناً آخر يستقبلهم، حيث يطالب معظم أصحاب الأرض ببدل إيجار. هنا في المزرعة سمح لهم ببناء مخيم يأويهم من التشرّد مع عائلاتهم، ومجاناً. يقطن في المخيم أكثر من 143 عائلة. تنتشر الخيم بين الأشجار، وتعيش العائلات ظروفاً مشابهة لظروف رسمية وعبد الهادي، بعيداً عن السوق والمراكز الصحية والمدارس وحتى المنظمات الداعمة.

في بلدة بتدعي، غربي بعلبك أيضاً، يقف فايز العزو من ريف حمص الشرقي «يتشمّس» مع أطفاله، ومن بينهم طفل في الشهر الثاني من عمره، تغمره والدته وهي ترضعه. تتألف عائلة «أبو محمد» من 13 ولداً كبيرتهم في الـ 17 من عمرها، إضافة إلى الأم والأب. يقسم «أبو محمد» أن أولاده لم يذوقوا طعم الفاكهة منذ أكثر من أربعة أشهر، وأن اللحوم لا تدخل منزله. تحتاج عائلة «أبو محمد» كل صباح إلى ثماني ربطات خبز على الأقل. يعيش الرجل، ومع مَن يستطيع من أولاده، في محاولة دائمة للبحث عن عمل في الزراعة، ينجحون حيناً ويخفقون أحياناً. أنشأ «أبو محمد» سداً ترابياً داخل الخيمة بارتفاع 10 سنتمتراً ليحول دون تدفق المياه الى وسط الخيمة وغرق «فرشات» الإسفنج ومعها الأطفال.

يعاني بلال، ابن «ابو محمد»، وعمره ثماني سنوات، من تورم على شكل كيس ماء في رأسه. أدّى الكيس إلى إصابته بشلل جزئي لا يشفى منه إلا بعملية جراحية لإزالته. ولكن «العين بصيرة واليد قصيرة»، وفقر العائلة وتخلّي المؤسسات الداعمة أبقيا الطفل مشلولاً.

يستنجد «أبو محمد» مطلع كل شهر بعابر طريق ليقرأ له الرسالة التي ترسلها له المفوضية لاستلام مبلغ 105 دولارات شهرياً، حيث لا أحد من عائلته المؤلفة من 15 شخصاً تعلّم القراءة.

يقول أبو محمد إن عائلته تشبه نحو 1080 عائلة تسكن في منطقة دير الأحمر ومحيطها.

يقول بعض النازحين إن شروط الدخول إلى لبنان التي استجدّت قبل نحو عام تضطرهم إما الى الدخول بطريقة غير شرعية، أو التحايل والسكن من دون أوراق ثبوتية. ويؤكد هؤلاء أن هناك نحو ثمانية آلاف عائلة نزحت منذ مطلع السنة الحالية إلى لبنان من ريف دمشق، من بينها 960 عائلة دخلت منطقة بعلبك. لا تحظَى هذه العائلات بأي معونات من الأمم المتحدة ولذا يسكن بعضها عند أقارب لهم أو داخل مخيمات عشوائية.

واقتصرت المساعدات التي قدّمت للعائلات الوافدة حديثاً من قبل لجنة متابعة النازحين السوريين على «فرش» اسفنج وبطانيات وسلة غذائية واحدة وحزمة ألبسة للأطفال.

ويشير رئيس لجنة المتابعة خالد زين الدين أن الأمم المتحدة لم تقدّم حتى الآن أي مساعدة لها علاقة بالتدفئة مما يجعل شتاء العائلات السورية صعباً جداً.

وتوقف زين الدين عند ضرورة تسجيل النازحين القادمين منذ مطلع العام الحالي، لضمان استشفائهم، وتقديم خدمات غذائية وإيوائية سريعاً، والعمل لتصحيح أوضاعهم، وإعفائهم من غرامات ورسوم الإقامة، والالتزام بدفع بدل النقل للطلاب الذين توقف 40% منهم على الأقل عن الدراسة.

وعبّر المفتي الشيخ بكر الرفاعي عن امتعاضه من أسلوب الأمم المتحدة في التعاطي مع ملف النازحين، مشيراً إلى أن اتحاد الجمعيات الإغاثية يحاول سدّ ما يمكنه من النقص.

عبد الرحيم شلحة

السفير بتاريخ 2015-12-16 على الصفحة رقم 4 – محليّات

http://assafir.com/Article/462136

Script executed in 0.022391080856323