قصة "جورج" لا تصدق.. أصله من عين إبل الجنوبية ويعيش في الدورة.. يتقن لغات عدة، مثقف، ويمنح الكتب لمن يؤمنون طعاماً لقططه

الإثنين 20 تشرين الثاني , 2017 10:02 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 82,867 زائر

قصة "جورج" لا تصدق.. أصله من عين إبل الجنوبية ويعيش في الدورة.. يتقن لغات عدة، مثقف، ويمنح الكتب لمن يؤمنون طعاماً لقططه

في أحد أزقة مرفأ الصيادين في الدورة، يعيش جورج جرجس فصلاً واقعياً من مسرحية "نمر من ورق"، محاطاً بعمال المصانع وقطيع من القطط. ولا يكتمل هذا المشهد الفوضوي إلا مع مجموعة من صناديق الكرتون والأكياس الفارغة، وبقايا طعام. ويبدأ المشهد الخارجي من حياته كل يوم عند الرابعة فجراً. إذ يخرج لإطعام القطط، ولا يمنعه برد الشتاء حتى من ذلك.

هذه الصورة التراجيدية سرعان ما يبدأ حديث ابن 88 سنة تبديدها. فهو يسأل محدثه بأي لغة يريد أن يحدثه. فجرجس مطلع على التيارات الأدبية والفنية وسير العظماء، ويتقن إلى جانب العربية، اللغات الفرنسية والإنكليزية والاسبانية، كما يصلي باللغة السريانية. ويتمسك بالقراءة بالأجنبية لمدة ثلاث ساعات يومياً، كما لا يترك أي ورقة تقع تحت يده إلا ويطلع على مضمونها "عسى أن أجد فيها إضافة". ويتمتع بذاكرة حادة تجعله يحدد مباشرة تاريخ وموعد أي مناسبة.

لا يتأخر جرجس، الذي يتوق إلى زيارة بلدته عين ابل الجنوبية التي لم يزرها منذ الاحتلال الإسرائيلي، بمناقشة التوصيفات. فهو ليس "متسولاً مثقفاً"، إنما "إنسان راهب" يعيش حياة النسك الحقيقية، التي يرتضي فيها بالقليل. ويقول إن "الفلاح القنوع سلطان". وهو كان قد كرس جزءاً من حياته لتعليم أبناء الفقراء، وإفادتهم من ثقافته ومعارفه. لذلك، فإن كثيرين منهم يبادلونه المودة. ويتولى تأمين بعض الكتب النادرة للطلاب والمهتمين، كرد جميل لمن يؤمنون طعاماً للقطط. 

وما يشغل بال جرجس، "صاحب المناعة القوية"، صحة الناس. فهو نادراً ما يستحم أو يغسل ملابسه، وهو يعتقد أن ذلك سبب عدم اصابته بأي مرض. ويرى أن السلوك الغذائي الخاطئ هو سبب انتشار أمراض السرطان. ولا يتأخر في تقديم بعض الوصفات العلاجية لزواره، مثل الاستغناء في الطعام عن المايونيز والبشاميل والقلي بالزيت، واستخدام البرغل. 

لكن، جرجس هو نموذج مثالي لتبدل الأحوال. فقد كان رجلاً طموحاً وغنياً، ويشغل منصب مدير قسم المسرح والسينما في معهد العلوم الإنسانية في فنزويلا في فترة ما قبل الحرب اللبنانية، التي عاد خلالها إلى لبنان. ويروي أن بشير الجميل طلب منه تدريب الموظفين على تشغيل آلات المحطة التلفزيونية في دار التعليم بجونية. وكان يملك تقنيات عالية الجودة تستأجرها منه شبكة بي بي سي الإنكليزية. لكن، تعامله مع قائد الكتائب، وفق روايته، كان له أثر سلبي عليه. فـ"عندما انتصر العماد ميشال عون على سمير جعجع في أواخر الحرب تعرض منزلي في الشرقية للخلع والتكسير". ثم أضرته أزمة الدولار، مع تبدد ثروته بسبب "ثمن الدولار الذي أصبح 3 آلاف ليرة لبنانية". 

يهتم جرجس بالبيئة. ويمكنه أن يتحدث عن غياب التوازن في الإقتصاد، مشبهاً ذلك بمظهر جورج برنارد شو، صاحب اللحية الطويلة والرأس الأصلع. ويقول: "هناك كثافة في الإنتاج وسوء في التوزيع". ويسأل: "هل يعقل أن يملك 4% من سكان الأرض مجمل ثرواتها؟". ثم يثور على الدولة اللبنانية، التي لا "تؤمن ضمان الشيخوخة، ولا تحترم كرامة الإنسان". وهو لا يستفيد منها إلا عندما تقدم وزارة الشؤون الاجتماعية "ترويقة في بعض أيام الأربعاء". ورغم تشنيعه سلوك السياسيين في لبنان، إلا أنه يعلق على استقالة الرئيس سعد الحريري، ويصفه بالإنسان الذي جمع في حكومته من لا يحبون بعضهم أبداً.
(المصدر: للكاتب بشير مصطفى/ المدن)

Script executed in 0.022901058197021