ما بين "الحجّة حياة" والرئيس "الحريري"

الخميس 30 تشرين الثاني , 2017 08:44 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 25,132 زائر

ما بين "الحجّة حياة" والرئيس "الحريري"

بين الحجّة حياة ورئيس الحكومة سعد الحريري الكثير من أوجه الشبه. كلاهما عاشَ أزمة، كلٌ بحسب وضعه. حقيقةً، ليست "الازمة" التي تجمعهما، ولا السياسة حتّى، ما يجمعهما هو الاستفادة من جو لم يكن لصالحهما، فأضحى يصب بمصلحتهما!

من منّا لا يتذكّر "الحجة حياة" السيدة الخمسينيّة التي احتلت شاشات التلفزة لأشهر وهي تصرخ طلباً لحل قضيّة مختطوفي "أعزاز" اللبنانيين عند بداية الحرب السورية؟ الجميع يتذكرها، المرأة حفرت عميقاً بالوجدان الشعبي.

ايضاً، من منّا يستطيع أن ينسى ما أقدمت عليه السعوديّة بحق الرئيس سعد الحريري، الذي احتجز "منزوع اللسان" في الرياض، والذي أثر كثيراً بالوجدان الشعبي.

مثّل الاحتضان الشعبي الذي التف حول قضية "الحجّة حياة" نقطة التحوّل التي نقلت قضية حجّاج مزارات دينيّة من قضية خاصة الى قضيّة رأي عام، كذلك مثلت "فعلة السعودية مع سعد" نقطة التحول في النظرة الى المملكة من مختلف شرائح الشعب اللبناني، سواء المؤيدة للحريري او المعارضة له.

المفارقة أعلاه حمالة اوجه، فكما عرف اللبنانيون "الحجة حياة" بسرعة نسوها بالسرعة ذاتها، وتلاشت وتبددت مفاعيل قضيتها، لأنه وببساطة، الشعب اللبناني صاحب ذاكرة "منتهية الصلاحية".. من منا اليوم إذاً يضمن أن لا تنضب قضية "الحريري" ويخسر كل ما راكمه في الرياض عاجلاً أم آجلاً؟

حقيقة هذا الأمر تُريب شريحة لا بأس بها من السياسيين، الذين يريدون من الحريري أن يحصد محصول "أزمته السعودية" على نحوٍ مختلف يخدم موقعه السياسي، كي يعزز مكانته سنياً، وللمفارقة، أن هؤلاء ليسوا من الحلفاء التقليديين للشيخ "سعد" بل من الطارئين أو المخيّرين بين السيء والاسوأ.

يعتبر هؤلاء أن "فعلة السعودية" مع رئيس مجلس الوزراء كانت بمثابة "ليلة قدر" نزلت عليه في لحظة تخلٍ، خدمته شخصياً وخدمة من وراءه حلفائه الجدد، ومن حيث يدرون او لا يدرون، خدمة مفاعيل الحادثة مشروع "استنهاض شعبية الحريري" التي رقدت في الحضيض لاشهر دون العثور على الترياق الشافي من الداء.

أرادَت حفنة سياسيين أن تستثمر الحالة الشعبية التي خرجت عن بكرة ابيها تطالب بعودة "رئيس وزراء لبنان" وتتعاطف منه، عبر جرّها نحو صناديق الاقتراع "مشدودة العصب"، بعد أن ساهمت برفع شعبية الحريري سنياً، بشهادة الموالين والمعارضين له. 

الحريري كان منتشياً الى حدٍ غير مسبوق، فأراد "كي الحديد بالنار قبل ان يبرد" كون الفرصة سانحة ويستحيل أن تتكرّر في الايام القادمة، لذا وجب استثمارها والبناء عليها في تحالف انتخابي عريض، يجعل من الحريري "سلطاناً" ويحمي من خلفه العهد.

عقدت اجتماعات كثيرة قاربت الامور من عدة زوايا، الى أن توصل من حضر الى خلاصة مفادها، ان الظروف الحالية يجب استغلالها سريعاً قبل ان تتلاشى، فطرح "التعاضد بين جهاتٍ خمس"، ثم طرح حليف وازن للحريري فكرة تقريب موعد الانتخابات الى شهر آذار 2018، وفق ما يسرب مطلعون لـ"ليبانون ديبايت".

وعلى ضوء ذلك، طلب توفير الاجواء، فتكفل أحد الحاضرين بتسريب المضمون الى احدى الصحف المحلية التي تكفلت بتسويق الفكرة، ثم انتظار ردود الفعل عليها لكي تجري مقاربته والتماس ما اذا كانت تخدم المصلحة المتوخاة ام لا.

المفارقة أن دائرة الرئيس الحريري كانت الاكثر تشجيعاً للخطوة، علماً أنها كانت تعارض وبالشكل الكبير الفكرة قبل تاريخ 4 تشرين الثاني الحالي، ففهم أن لديها نيّة باستثمار "المد السني" وتحويله الى "تسونامي" يطيح بالمتخلّفين عن "الخط الازرق"، فيكون شبيهاً لـ"تسونامي عون" يوم عادَ من فرنسا عام 2005 ليجتاح الحالة المسيحية.

وبطبيعة الحال، كان لا بد من عوائق تقف في الطريق، اهمها الموقف "الشيعي" الذي لم يكن محبذاً لفكرة التقريب، الذي عبرت عنه اجواء رئيس مجلس النواب نبيه بري صراحةً، ثم جاراه حزب الله بذلك، لكنه بدا منفتحاً على النقاش اكثر من بري الذي اغلق الباب. 

حجج الرئيس بري ذات اوجه ايضاً، تقنية وسياسية. في الشق الثاني يعتبر انه ثمة حاجة لتوافق سياسي عام، ونظرياً هناك امكانية لحصوله كون السواد الاعظم من الافرقاء السياسيين يدفعون نحو هذا الاتجاه ولديهم مصلحة.

يبقى الشق التقني الذي تعشعش بين تفاصيله شياطين كثيرة، اوّلها عدم وجود اتفاق على آلية تطبيق قانون الانتخاب ونظام الاقتراع، إن وفق هوية ممغنطة او عادية او بيومترية، وغيرها من الامور التي بحاجة لنقاش.

كذلك تبرز معضلة اساسية، ففي حال تقريب الانتخابات الى شهر آذار، معناه وجوب دعوة الهيئات الناخبة قبل ثلاثة اشهر، يصبح واجباً عندئذٍ ان تتم الدعوة في الشهر القادم اي كانون الأول. ولكون لا اتفاق على المواضيع اعلاه يصبح الامر ضرباً من ضروب الخيال و"مشروع مشكل"، ما مثلت كل تلك العوامل جوانب لا تخدم الغاية المطروحة، فجرى الانكفاء الى الخلف مرحلياً.

بقيَ البعض يراهن على امكانية تقريب الموعد، ما دفع بري لرفع صوته مجدداً خاصة بعدما "عايره" البعض بانه كان اول من طلب تقريب الموعد، ليبرر ذلك امام حشد من زواره " انا وبالنسبة لي من اكثر المتحمسين لتقريب موعد الانتخابات. كنت لاهتم لو بقيَ الحريري مستقيلاً كي نوفر على البلد حوالي ستة أشهر من تصريف الاعمال".

الدفع صوب هذا الخيار، تقول أوساط لـ"ليبانون ديبايت" إنه حمال مخاوف. ثمة من يرجع الحديث الى عشية التمديد، ليوزع مخاوف واشارات حول وجود "نية تمديد جديدة"! اين؟! طالما أن الجميع يريد تقريب الانتخابات؟ تكمن المصيبة في مواقف بعض الجهات الخارجية التي وعلى شفير المفاوضات السورية وتغير المزاج اللبناني، قد لا تحبذ اجراء الانتخابات الآن وتفضل التريّث حتّى بلورة شكل "الصفقة السوريّة" التي تُعيد الجميع الى واحة العقلانيّة.
عبدالله قمح | ليبانون ديبايت 

Script executed in 0.034562826156616