في لبنان : حرفيتان ... الأولى تصنع الصابون وأخرى تصنع الحلي ... بين الثقة بالنفس والإعتماد على الذات مشوار طويل

الخميس 03 أيار , 2018 08:58 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,244 زائر

في لبنان : حرفيتان ... الأولى تصنع الصابون وأخرى  تصنع الحلي ... بين الثقة بالنفس والإعتماد على الذات مشوار طويل

نشرت صحيفة النهار اللبنانية مقالاً بعنوان: حرفيّتان ومبادرة She min lebnen... حكاية عطر ومعدن ثمين وامرأة عاملة
ما إن تدخل منزلها المتواضع حتى تنعشك رائحة الصابون الطيبة التي تملا المكان. حرفيةٌ تصنع #الصابون بالطرق التقليدية منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. مي الداعوق، الخمسينية، تهب جلّ وقتها لحرفة تشكل مصدر رزقها ودخلها الوحيد لإعالة نفسها ووالدها المسن. خصصت غرفة في منزلها لعرض المنتجات، في إحدى زواياها قوالب الصابون البلدي المصنوعة من زيت الزيتون أو الغار الطبيعي، اصناف متعددة استخدمت مي في تحضيرها أعشابا مختلفة، في الزاوية المقابلة ألوان واشكال تجذب الزائر. انه صابون "الغليسرين". تقف امام منتجاتها وتقول "أدللهم كأنهم أبنائي".
هنا صابون لاستعمالات كثيرة، منه ما هو مخصص لنقاء البشرة، والبعض الآخر للاستحمام أو لتغذية الشعر. صابون الزينة موجود أيضاً، والى جانبه نماذج مخصصة لحفلات الزفاف وأخرى لمناسبات كعيد الأم والمعلم.
حوّلت شرفة منزلها الى مشغل، تصنع فيه منتجاتها بإتقان شديد. "عندما تعشقين عملك تبدعين فيه". تقول الداعوق لـ"النهار". نراقب حركتها وهي تحضر قالب صابون بزيت الصنوبر واعشاب اكليل الجبل. بدقة وهدوء تنقل المواد من مكان الى آخر، وكأن بين راحتيها كنزا ثمينا. نسألها لمَ صناعة الصابون؟ فتسترسل في سرد حكاية بدأت منذ سنوات عندما وجدت نفسها مضطرة الى العمل، فخاضت التجربة بداية الأمر في احد المصانع لمدة عام واحد، وسرعان ما حولتها الى مهنة متعتها باكتفاء ذاتي، علماً أنها حائزة إجازة في علوم الحياة والكيمياء. الا ان ظروف الحياة منعتها من العمل.
تكبر الحرفية الصغيرة ويكبر معها مشغلها ويتنوع انتاجها. بدأت خطوط التقدم في السن ترتسم على وججها، إلا أن ذلك لم يحد من عزيمتها وقوتها البدنية، الى جانب قوة شخصية تردها مي الى كون "السيدة القادرة والمنتجة تتمتع باستقرار نفسي وداخلي، وكل سيدة منا بحاجة الى هذا الشعور".

 بشاشة وججها تريح ضيفها، فنسألها عن خلاصة التجربة وأي رسالة توجهها للسيدات. تتوقف لبرهة، وبابتسامة ترتسم على محياها، تقول: "الحاجة المادية ليست الدافع الوحيد للعمل، فعندما اقف في مشغلي المتواضع افرغ الطاقة السلبية من داخلي واحولها طاقة ايجابية اعكسها في منتجاتي، لتكون على احسن صورة وبأعلى جودة، وهذه حاجة اساسية لكل فرد منا وللنساء تحديدا، لإثبات الذات امام انفسهن وامام المجتمع، ونساء لبنان خصوصا برزن في مجالات عديدة، ومنها الحرف، وعليهن الاستمرار والتميز".

طموحها في تطوير الذات والقدرات دفعها الى التسجيل في دورات عدة في مراكز مختلفة تعنى بتعليم الحرف والصناعات الصغيرة، ومنها الصابون، إلا أن مي لم تجد في ذلك منفعة، وتصرّ على ان الفرد هو من يطور نفسه بنفسه من خلال تجاربه: "اردت لمنتجاتي ان تحافظ على لونها وعطرها لاطول مدة زمنية ممكنة، وقمت بتجارب في منزلي لهذه الغاية. وبعد عام من التجارب المتواصلة حصلت على ما اريد واكتشفت الطريقة بنفسي". تقصد مناطق مختلف من لبنان، وتبحث عن العطور العالية الجودة، والألوان غير المضرة لتستخدمها في صناعة قوالب الصابون. حرفية متواضعة أمام تجار كبار في مجال الصناعة وتجارة الصابون، إلا أنها فخورة جداً بأنها استطاعت ابتكار أفكار جديدة تميزت بها. فمن يرغب في الاحتفاظ بتذكار من لبنان ابتكرت له قوالب صابون حفرت عليها اسم بيروت، وأخرى ضمنتها أرزة العلم اللبناني ورموزا تعود الى التراث اللبناني.

نترك مي منهمكة باختبار تجربة جديدة وضعتها ضمن قائمة اهدافها، هي صناعة الصابون السائل الطبيعي، لننتقل الى رنا الزعتري، حرفية تصنع الحلي. موهبة تمتعت بها منذ الصغر، وبعد عودتها من المانيا للاستقرار في لبنان قبل نحو عشرين عاماً حولتها الى مهنة لمساعدة زوجها في تكاليف جامعة ابنتها.

عملت بادء الامر لمصلحة سيدة تمتلك محال لعرض كل ما يتعلق بالحرف والتراث اللبناني، وبعد مرور عشرة اعوام قررت رنا العمل لحسابها الخاص. تشارك في معارض عدة وتعرض منتجاتها على وسائل التواصل الاجتماعي. هي أيضا جعلت منزلها مشغلا صغيراً، في إحدى غرفه حلي بألوان وأشكال تبهرك بدقة تصنيعها، تناسب مختلف الأعمار والأذواق. حرفة تحتاج الى الكثير من الدقة، على قول رنا، وهذا ما شاهدناه أمامنا أيضاً، بين أصابعها ابرة وخيطان ملونة وبعض الأحجار تحولها رنا الى حلي جاهزة لتزيين أعناق السيدات.

صحيح أن الحاجة المادية في مرحلة ما كانت الدافع لتمتهن ابنة عكار حرفة صناعة الحلي، إلا أن رنا تؤكد لـ"النهار" أن "اثبات الذات واعتماد #المرأة على نفسها أمر لا بد منه"، مستبعدة ان تعتزل صناعة الحلي حتى لو لم تكن بحاجة الى مردود اضافي، لكون التجربة اكسبتها ثقة بالنفس واستقلالا معنويا واقتصاديا يعزز لديها الشعور بالقوة والمقدرة.
ندى أيوب - النهار اللبنانية

Script executed in 0.90658783912659