الزلزال القادم الى فلسطين.. "مش كل مرة بتسلم الجرة"!

الجمعة 19 تشرين الأول , 2018 06:56 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 20,232 زائر

الزلزال القادم الى فلسطين.. "مش كل مرة بتسلم الجرة"!

ضربت فلسطين ولبنان، خلال شهر تموز الماضي، سلسلة هزات أرضية متتالية، تراوحت قوتها بين 3- 4.5 درجات على سلم ريختر، وذلك في منطقة طبريا وبيسان والأغوار الشمالية تحديدا.  البداية كانت في فجر الرابع من تموز حين ضرب بحيرة طبريا ومنطقتها زلزال بقوة 4.1، في مسافة نحو 10 كم شمال طبريا؛ وقد أحس به (وبالهزات الارتدادية التي تلت الزلزال الرئيسي) العديد من الفلسطينيين في الأغوار ومناطق الجليل.  العديد من أهالي مدينة الناصرة، على سبيل المثال، أحسوا بذلك الزلزال الذي أخافهم، وبخاصة لدى مشاهدتهم اهتزاز أسرة وأمتعة منازلهم.  بعد نحو ساعتين (من الزلزال الأول) ضرب ذات المنطقة زلزال آخر بقوة 3.8 على سلم ريختر.  بل وفي مساء ذات اليوم ضرب المنطقة ذاتها (شمال فلسطين) زلزال ثالث بقوة 4.5 على سلم ريختر؛ علما أن مصدر الزلزال نحو ثمانية كيلومترات شمال طبريا، وتحديدا في أعماق الأرض أسفل بحيرة طبريا (أي ذات البؤرة التي حدث فيها زلزالٌ صباح ذلك اليوم).  كما أن زلزالاً آخر بقوة 3.2 ضرب ذات المنطقة في اليوم التالي (5 تموز).  وفي جميع الحالات لم تسجل خسائر في الأرواح والممتلكات.

آثار زلزال عام 1927 في نابلس بقوة 6.2 على سلم ريختر

أربع هزات أرضية إضافية متتالية ضربت منطقة طبريا أيضا خلال الثامن وفجر التاسع من تموز، أحس بها سكان شمال فلسطين والجليل و جنوب لبنان (الخسائر صفر).  الهزة الأولى (في 8 تموز) بقوة 3.2، والثانية بقوة 3.9.  وقبل منتصف ليل ذات اليوم ضربت المنطقة هزة ثالثة بقوة 3.2.  وفي نحو الساعة الواحدة فجر التاسع من تموز ضرب المنطقة عينها زلزال رابع قوته 3.3.  وبحسب المصادر الجيوفيزيائية فإن بؤرة تلك الزلازل تقع في مسافة نحو عشرة كيلومترات شمال طبريا؛ أي في ذات بؤرة الزلازل التي ضربت المنطقة قبلئذ بأربعة أيام.  وفي ذات البؤرة أيضا، حدثت في صباح الثاني والعشرين من تموز هزة أرضية إضافية بقوة 3.4، وذلك في شمال شرق بحيرة طبريا.

ولعل بعضنا يذكر الزلزال الذي حدث بقوة 4.4 في منطقة القدس والبحر الميت قبل ثلاث سنوات، بالإضافة إلى زلزال آخر بقوة 5.5 جنوب فلسطين؛ علما أنه خلال العقد المنصرم ضرب منطقة شمال البحر الميت بضعة زلازل تراوحت قوتها بين 4 و4.7.

"اسرائيل" شرعت مؤخرا بإنشاء منظومة "إنذار" للتحذير من الزلازل، بحيث ترسل إنذاراً لفترة نحو 10 إلى 30 ثانية بين الموجة الأولى للزلزال والموجة المدمرة التي تليها.  وستتضمن تلك المنظومة 120 محطة لاستقبال البيانات الزلزالية، ستقام في المناطق المعرضة للزلازل، وتحديدا على طول البحر الميت والأغوار ومنطقة جبال الكرمل.

توقيت الزلزال المدمر

بالعادة، سلسلة الزلازل الصغيرة تسبق الزلزال الكبير.  لكن، لا يمكننا معرفة توقيت حدوث الزلزال المدمر.  التاريخ الإحصائي للزلازل في منطقتنا يشير إلى أن متوسط الفترة الزمنية بين زلزالين مدمرين نحو مائة سنة.  بمعنى أن "الهدوء" الزلزالي قد يستمر أشهر قليلة أو سنة بعد الزلزال المدمر، وقد يستمر بعده أكثر من مائتي سنة.

من الناحية الجيولوجية، تقع فلسطين إجمالا، والمنطقة التي ضربتها الهزات الأرضية الأخيرة تحديدا، على ملتقى صفيحتين من صفائح القشرة الأرضية، وتحديدا في منطقة الكسر الجيولوجي المعروفة بالصدع السوري-الإفريقي، والذي يعد طبقة صخرية حدثت فيها إزاحات أو كسور، وبخاصة في منطقة البحر الميت.  لذا فإن فلسطين معرضة، وباحتمالية مرتفعة، لهزة أرضية مدمرة.  وبما أن هذا الصدع نشط زلزاليا، فإن هزات أرضية قوية حدثت وقد تحدث على امتداد نحو ألف كيلومتر من الصدع.  ويمتد الصدع السوري-الإفريقي من خليج أم الرشراش (البحر الأحمر) مرورا بالأغوار وبحيرة طبريا ووصولا إلى جنوب تركيا.  وفي الماضي، ضربت الجزء الفلسطيني من الصدع بضع هزات أرضية قوية، منها الهزة الكبيرة التي حدثت عام 749م وتسببت بدمار هائل في مدن طبريا وبيسان وأريحا.  أما زلزال عام 1837 فقد دمر طبريا وصفد تدميرا كبيرا وتسبب في مقتل الآلاف.  الهزة الأرضية القوية الأخيرة في منطقتنا حدثت عام 1995 في خليج العقبة (منطقة أم الرشراش / "إيلات").  وبلغت قوة الزلزال آنذاك 7.2 على سلم ريختر؛ وكانت الأضرار طفيفة، نظرا لأن بؤرة الزلزال بعيدة نسبيا، وتحديدا نحو 70 كم جنوب أم الرشراش (إيلات).

العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من إيجاد طريقة تمكنهم من التنبؤ الدقيق بحدوث زلزال.  فمنذ بضع سنوات، تتكرر الإنذارات الساخنة لاحتمال حدوث هزة أرضية وشيكة في فلسطين.  ومن المتوقع أن تحدث مثل هذه الهزة، في كل لحظة.  وبحسب دراسة المعطيات الإحصائية للهزات الأرضية التي حدثت في فلسطين في السنوات الألف الأخيرة، والتي أجرتها مجلة آفاق البيئة والتنمية قبل نحو سبع سنوات واستندت فيها إلى العديد من المراجع الجيوفيزيائية والجيولوجية، فقد تم بلورة سيناريو أولي للهزات المتوقع حدوثها مستقبلا؛ إذ يتوقع حسب الدراسة الإحصائية، حدوث ارتجاجات جيولوجية جدية في فلسطين، خلال السنوات أو العقود القريبة القادمة.  الهزات الخفيفة المتتالية التي تعرضت لها فلسطين، منذ عام 2004، تشير إلى ارتفاع احتمال تعرض المنطقة لزلزال كبير.  ومن المتوقع ألا تزيد قوة الزلازل في منطقتنا على 7 درجات، وبخاصة إذا كان مركز الزلزال في منطقة طبريا أو إصبع الجليل.

وهناك احتمالية حدوث الزلزال في البحر، مقابل الساحل الفلسطيني، وربما على مسافة كيلومترات قليلة من شواطئ يافا أو غزة أو حيفا، وفي هذه الحال قد يتلو الزلزال أمواج تسونامي العاتية التي قد تغرق كل المتواجدين قرب الشاطئ، وقد يكون حجم الدمار الناتج خلال ثوان معدودة مروعا.

ما علاقة التجارب النووية الإسرائيلية بالزلازل؟

يعتقد بعض خبراء الجيولوجيا، أن التجارب والتفجيرات النووية الإسرائيلية تؤثر على احتمالات حدوث زلازل في المنطقة، لاسيما أن هذا النشاط النووي يتلاحم مع نشاط الصفائح التكتونية للقشرة الأرضية غير المستقرة في فلسطين، والمهيأة أصلا لنشاط زلزالي.  ويرى أولئك الخبراء أن تلك التجارب والتفجيرات لعبت دورا في إثارة منطقة الصدع السوري الإفريقي، وبالتالي ساهمت في حدوث زلازل بقوة صغيرة أو متوسطة، في السنوات الأخيرة.

ويعتقد خبراء آخرون أن إسرائيل تخلصت وتتخلص من نفاياتها النووية في مواقع قريبة من الشق الجيولوجي الذي يتميز بالنشاط الزلزالي، وتحديدا في البحر الأبيض المتوسط، وجبال الخليل في الضفة الغربية، وصحراء النقب، ومنطقة الحلوصة على الحدود المصرية، وفي هضبة الجولان السورية. لذا، يرى أولئك الخبراء أن مخاطر بيئية وجيولوجية جدية تكمن في دفن هذه النفايات في تلك المواقع، وبخاصة من ناحية احتمالات تفاعل المواد النووية مع القشرة الأرضية الضعيفة في تلك المناطق.

حقائق علمية أم إشاعات؟

بالرغم من أن أوقات التحذير المتاحة من حدوث زلزال، لا تتجاوز بضع ثوان في أحسن الحالات، ينتشر بين الفينة والأخرى الهلع في أوساط الناس بسبب شائعات مفبركة مفادها أنه خلال ساعات أو أيام سيضرب فلسطين زلزال كبير. وبالرغم من عدم وجود وسيلة فعّالة، حتى الآن، تنذرنا بقرب حدوث هزة أرضية، وبالتالي منعها، إلا أن هناك وسائل للتقليل من آثار الكارثة، من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة، قبل وأثناء وبعد حدوث الزلزال، وفي جميع المستويات، ابتداء بالمواطن العادي، ومرورا بالخبراء، ووصولا إلى المسئولين السياسيين وصناع القرار.  وتوجد وسائل لتقليص حجم الدمار الناتج عن الزلازل بحيث ينخفض كثيرا حجم الخراب الهائل الذي قد تخلفه، علما أن الزلزال بحد ذاته لا يقتل، بل ما يقتل هو دمار المباني والمنشآت والحرائق الناتجة عن الزلزال.  وكما هو متوقع، لن يعاني قاطنو المباني التي أنشئت حسب المواصفات المقاومة للزلازل من خسائر بشرية، حتى في حال حدوث هزات أرضية كبيرة. 

وفي الآونة الأخيرة، يحاول بعض العلماء توفير الحلول الفعالة لتقوية المباني ضد الهزات الأرضية. ومن أهم التوصيات المقترحة:  إضافة جدران، إصلاح المباني باستخدام مواد مركبة من ألياف خاصة، مراقبة كتل الأجسام والأثقال المتحركة (الدينامية) في داخل المباني، تقوية المباني باستعمال كوابل أو قضبان فولاذية، وغير ذلك.  وفي الواقع، جميع المباني غير المطابقة للمواصفات يجب تقويتها بالإضافات المناسبة، أو بإضافة أجنحة إضافية لها، أو بتعبئة الفراغات في الطوابق الأرضية بالباطون.

وحسب ترتيب الأولويات، يفترض، بداية، معالجة المباني والمنشآت العامة والحكومية، الجسور، المستشفيات، المؤسسات التعليمية، المدارس، الاتصالات، وما إلى ذلك.  إذ إن هذه المباني والمنشآت يجب أن تكون عاملة في أثناء الهزة الأرضية وبعدها، لتقديم المساعدة اللازمة. 

هل نحن على استعداد لمواجهة زلزال بقوة 7 على سلم ريختر؟

من المفيد التذكير بزلزال هاييتي المدمر عام 2010 والذي قتل أكثر من مائتي ألف فرد وشرد الملايين.  ماذا سيكون الحال لو ضرب فلسطين زلزال بنفس قوة زلزال هاييتي (7 على سلم ريختر)؟  هل نحن على استعداد لمواجهته؟  الجواب الأكيد لا!

بحسب بعض الدراسات الإسرائيلية الأخيرة، فإن 40% من المباني والمساكن الإسرائيلية معرضة للانهيار أو الإصابة الجدية في حال حدوث هزة أرضية قوية.  وفي المقابل، نسبة المباني في الضفة الغربية وقطاع غزة المعرضة لنفس المصير اكبر بكثير.

الأبحاث أثبتت أنه في حال حدوث هزة أرضية في فلسطين بقوة تفوق 6 درجات على سلم ريختر، فإن المباني المبنية على أعمدة في طابق أرضي مفتوح (الطابق الرخو)، ستتعرض لانهيار شبه أكيد، بما في ذلك المدارس والمشافي، وقد يصل عدد القتلى إلى عشرات الآلاف.  كما أن المناطق الساحلية مرشحة لدمار أكبر من غيرها، بسبب الرطوبة البحرية الطبيعية التي أخلت بهياكل المباني وأضعفتها. 

للأسف، لم يتم في السنين الأخيرة، عمل أي شيء جدي لتحسين مقاومة المباني والمنازل والبنى التحتية لزلزال بقوة 7-8 درجات.  وبالرغم من بعض الاجتماعات وورشات العمل والندوات التي عقدت، وبعض التقارير العلمية الخطيرة التي نشرت، لم يتم حتى هذه اللحظة، العمل على تقوية المباني العامة المخصصة للخدمات الإنسانية مثل المشافي وبيوت المسنين والمدارس، وبخاصة تلك المتواجدة في المناطق الحساسة للهزات الأرضية؛ علما أن التكلفة السنوية التقديرية لتقوية عدد لا بأس به من المباني والمؤسسات العامة لا تتجاوز بضع ملايين من الدولارات. 

كما لم يتم عمل أي شيء لتقوية المنازل الفلسطينية القائمة.  وباعتقادنا؛ يتطلب هذا الأمر مخططا هيكليا خاصا يتيح للمواطنين تقوية منازلهم، مقابل حصولهم على حقوق أو تراخيص للبناء.

طالما حذرنا في مجلة آفاق البيئة والتنمية من الخطورة المميتة للحالة الفلسطينية، من حيث الضبابية والعشوائية المتعلقة بكيفية تصرف الجهات والأجهزة الحكومية المختلفة في المناطق التي قد تنكب بزلزال قاتل.  كيف سيعاد بناء الشوارع والمنازل؟  في أي الأماكن سيوضع المهجرون كي يتمكنوا من مواصلة العيش؟  لماذا لا يتم التخطيط، وبسرعة، لإجراء تدريبات شاملة على كيفية التصرف أثناء زلزال بقوة 7 ريختر، بحيث تستهدف جميع الناس، وبخاصة المدارس والروضات والجامعات؟  ولا يقتصر هدف هذه التدريبات على مجرد فحص مدى استعداد قوى وأجهزة الإنقاذ والأمن والسلطات المحلية، بل دراسة سلوك وتصرف المواطنين بعامة.

وهنا لا بد للأجهزة المعنية والدفاع المدني وفرق الإنقاذ والطوارئ ووزارات البيئة والصحة وغيرها، أن تأخذ في الاعتبار قائمة طويلة من الاستعدادات الوقائية، نذكر منها:  التعليمات الخاصة بالمقابر الجماعية لمنع تفشي الأوبئة، إزالة جثث الحيوانات، إزالة نفايات ومخلفات المنشآت والمباني الكثيرة التي ستتهاوى، علما أن أحد الخيارات الممكنة هي التخلص من هذه النفايات والمخلفات من خلال إلقائها في البحر.  ناهيك عن المعالجة السريعة والطارئة لشبكات المياه العادمة التي قد تتحطم.

المصدر: مركز آفاق البيئة والتنمية الفلسطيني 

Script executed in 0.085049867630005