(أقلام مهجرية)...المؤلّف والطريق بقلم الدكتور مصطفى بزي

الخميس 06 كانون الأول , 2018 01:35 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,377 زائر

(أقلام مهجرية)...المؤلّف والطريق بقلم الدكتور مصطفى بزي

من المظاهر المتميزة التي أفرزتها الهجرة الى ديار الإغتراب، والتي تحدث عنها الكثيرون، ظاهرة الأدب المهجري، وخاصة منذ منتضف القرن التاسع عشر، امتداداً حتى القرن العشرين، وصولاً الى أيامنا الحاضرة.

وكثرت المنتديات أو النوادي الأدبية في بلاد المهجر، وكان لهذا الامر الأثر البالغ في الحفاظ على اللغة، وفي كتابة الشعر والأدب والخواطر وغيرها.

ولأن الشعر والنثر هما تعبير صريح وواضح عن مشاعر وأحاسيس ومكنونات داخلية لدى الإنسان، وهما تصوير لأحوال اجتماعية وانسانية معينة فإن المهاجرين الذين كانت لديهم نعمة الموهبة الشعرية والكتابة الأدبية، كانوا اقدر على التعبير عن تلك الأحاسيس وتلك الاحوال.

كانت معاناة المهاجرين في ديار الغرية، ولا تزال مزدوجة، الأولى معاناة شبيهة بتلك التي يعاني منها المقيمون، والمتمثلة بمفارقة الأهل والأحبة والأصحاب والخلان والأرض، أما الثانية فهي التي يتحملها المهاجرون في ديار الغربة، والمتمثلة بقساوة الحياة والتعب في تحصيل لقمة العيش، واللغة، وصعوبة الإنخراط سريعاً في مجتمعات جديدة، تختلف بعاداتها وتقاليدها، فضلاً عن وجود قوانين ونظم وحقوق وواجبات قلّما نعيشها في مجمعاتنا.

على الرغم من ذلك، ولأن ثمرة النجاح لا يمكن الحصول عليها إلا بالمثابرة والصبر الطويل، وانه لكي ينجح الإنسان يجب ان تكون رغبته في النجاح أكبر وأهم وأثبت من خوفه من الفشل، ولأن تحقيق النجاح يعزز الانطلاق نحو نجاحات اخرى، ولأن لا شيء ضروري للوصول الى ذلك الا التوكل على الله عز وجل والإقدام وتخطي العراقيل، ولأن اصحاب الإرادات القوية لا يطيلون الوقوف في بعض المحطات التي يمرون فيها، ولأن يد الله مع الجماعة، حيث أن الأجنحة لا تجعل الطائر يطير إلا إذا رفرف، فإن مهاجرينا، أو اكثر مهاجرينا حققوا نجاحات باهرة، في مجالات مختلفة، اقتصادية أو سياسية او اجتماعية او علمية او ثقافية او وظيفية.

كامل بزي، صديقي وأخي ورفيق دربي، هو واحد من هؤلاء الأشخاص، وهو الذي أدرك، منذ بداية مسيرته التعليمية والإجتماعية في بنت جبيل، وتحديداً في "حاكورة نصّ الضيعة" وفي المدرسة، أن أبواب النجاح والوصول الى المبتغى والى الهدف المنشود مشرعة دوماً لأهل العلم والعطاء، وموصدة امام الجاهلين ومقفلي العقول.

تعلّم كامل بزي في بنت جبيل، وتنقل بين مدارسها، وكنّا واياه معاً، مع قلة من الاصدقاء والأحبة، وبقينا معاً، أقارب، أصدقاء، جيران، أذكره وكنا صغاراً، يأتي مع والدته، بنت عمنا الحاجة ام سعود بزي بنت احمد يوسف، يومياً لقضاء فترات عند المرحومة جدتنا – ام العائلة كلها – ام مصطفى، سيدة نساء جيلها في بنت جبيل، هذه الإمرأة المثالية، الفولاذية، المحترمة، القوية، التي فقدت زوجها بعد أن اخذه الاتراك عنوة الى "العسكرية" او الجندية الإجبارية، ولم يعد، فتكفلت ام مصطفى بتربية ابنائها وارحامها من الأقارب، وفقدت في وقت مبكر اكبر أبنائها الذي استشهد إثر الدخول الفرنسي الى المنطقة سنة 1920 وذلك في منطقة المالكية.

ولأن منزل جدتنا كان مقصداً للجميع، فان كامل بزي كان احد اقاربنا الذي ألتقي به يومياً في منزلنا، برعاية الجدّة الكبيرة، وكانت مسيرتنا معاً، واستمرت منذ الصغر، وحتى فترة الشباب، الى ان حصلت ظروف وتطورات، ابعدتنا عن بعض، بفعل العمل في بيروت، ومن ثم الهجرة الى ديار الإغتراب، لكن بالرغم من ذلك فإن قلبنا وعقلنا وجوارحنا ومشاعرنا كانت واحدة، رغم بعد المسافات التي تفصلنا عن ديار الغربة في الولايات المتحدة الأميركية...

وكان كامل بزي واحداً من الذين هاجروا سنة 1971، خاصة بعد أن ازدادت الإعتداءات الصهيونية على منطقتنا، وتحديداً على بنت جبيل، التي كانت تعرف عبر تاريخها بأنها بلدة الإنتفاضات والعروبة وفلسطين والنضال الوطني....

كان لكامل بزي في ديار الإغتراب حضور متميز ان على الصعيد الإجتماعي او على الصعيد الثقافي، ونشاطه كان في اتجاهين اثنين:

الاول اجتماعي تمثل بمشروع "الخمسة دولارات" الذي كان يعتبر من المشاريع الرائدة والمميزة في ديار الإغتراب، وتحديداً في الولايات المتحدة الاميركية، والخاص بأبناء بنت جبيل بالذات، الذي لم يسبقهم احد في اي مشروع مماثل، حيث كان له الاثر الكبير في التخفيف من الأزمة المعيشية التي كان يعاني منها بعض المقيمين في بنت جبيل، وقد مثّل المشروع نوعاً من التكافل الإجتماعي الذي قلّ نظيره لدى الجاليات الأخرى.

كامل بزي كان احد اعمدة هذا المشروع، كان احد الركائز الاساسيين له، كيف لا وهو الذي لم يخن يوماً طبقته ولم ينسلخ بعقله وقلبه يوماً عن مجتمعه، وظل يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع، خاصة وان عقله كان مليئاً بالذكريات، وصدره كان مشبعاً بالاحاسيس والمشاعر والعواطف الصادقة والطيبة والنبيلة.

الثاني ثقافي، حيث كان كامل بزي ولا يزال حتى اليوم، كما قال عنه أحد الاصدقاء: "أحد عشاق الشعر والنثر" فمحبته للشعر كانت مبكرة منذ الصغر في البيت الذي ترعرع فيه، مستفيداً من رعاية أخوين متعلمين، دعماه وأسنداه ليصل الى مبتغاه، كما استفاد كامل بزي منذ صغره من قراءاته ومطالعاته في المجالات الادبية التي كانت زاد أخوية وموضع اهتمامهما، وكان يستمع الى تلك الجلسات التي كانت تتم في منزلهم، بحضور عدد من المهتمين بالكلمة والكتاب وبالشعر والادب...

وبعد هجرته، ورغم عمله في مصنع فورد للسيارات، فقد كان له نهم بالقراءة والمطالعة، وتمثل ذلك باهتمامه الواضح بشراء الكتب واقتنائها وتصنيفها وأرشفتها، وهذا سهّل عليه عمله في الإطلاع سريعاً على كل من كان يصدر...

كما واظب هناك على حضور الجلسات الأدبية والامسيات الشعرية، الى أن كان الحدث الأهم والمفصلي في مسيرته الثقافية، والذي تمثل بتأسيس "المنتدى الأدبي" في دارته في اميركا في اواسط الثمانينات، وكان لهذا المنتدى أثر طيب في تعميق ثقافته من خلال حضوره الإجتماعي والثقافي ووقفاته المنبرية في المناسبات، ومن خلال علاقاته التي راح يوسّعها تدريجياً.

ومن خلال منتداه الادبي، تعرّف على مجموعة من الادباء والشعراء والكتّاب من لبنان وغيره من البلدان العربية، وتفاعل كامل بزي مع هؤلاء، واصبح شخصية لامعة في دنيا الثقافة في جاليتنا في امريكا.

هكذا اصبحنا امام ظاهرة حيّة، لحركة دائمة ومستمرة، لا تهدأ ولا تستكين، وهي قد تمثلت بشخص اسمه كامل بزي، وهو بالفعل واحد من المبدعين، ممن اسرجوا اقلامهم وشحذوا عقولهم، وشمّروا عن سواعدهم، وعقدوا العزم على الكتابة، والإهتمام بشؤون الأدب والشعر والدواوين، حيث كانت تتلى في منتداه القصائد الشعرية والخواطر النثرية، وتتخللها المداخلات والحوارات، وقد ارتاده عدد من الشخصيات الأدبية وعشاق الثقافة، ونخبة من الشعراء والأدباء والإعلاميين والمهتمين بالكتاب والكتابة والثقافة والإجتماع...

لقد اكمل كامل بزي هذا المشروع الثقافي بتأليف كتاب عن المقدس الشيخ خليل بزي، الذي كانت له افضال كبيرة على الجالية اللبنانية والجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية، والذي كان يرتبط بعلاقات مهمة مع النابغة حسن كامل الصباح، وقام كامل بزي بعمل مهم جداً في التأريخ لهذه الشخصية المهمة والبارزة في ديار الإغتراب، في فترة مهمة من فترات تاريخنا، خاصة وان الكثيرين من ابناء مجتمعنا لم يكونوا على علم بهذا العالم الجليل الكبير.

وتابع كامل بزي مسيرته الكتابية، حيث راح ينفض الغبار عن نتاجات شعرية مخبوءة منشورة أو لم ترّ النور، وهو بذلك عمل على حفظ جزء من التراث الإغترابي الذي يغني في بعض فصوله تراثنا العاملي الثقافي، والكتاب هو "أقلام مهجرية".

ما جمعه كامل بزي هو حصيلة لقاءات مباشرة مع شخصيات الكتاب، او مع ذوي الراحلين منهم، حيث أورد سيرهم وثبّت بعض نتاجهم الأدبي والشعري، وهم من اصحاب القلم وروّاد الحَرْف.

لن ندخل في موضوع شخصيات الكاتب كامل بزي التي تحدث عنها وعن بعض نتاجها، نحن نحترم خياراته وعلاقاته وصداقاته، ولا نسمح لأنفسنا في تقييم هذه الشخصيات، بسبب عدم معرفتنا لمعظمها.

من خلال ما عرضه كامل بزي، استطعنا ان نتعرف على نتاحهم، وبالمناسبة نشدّ على يديه، وعلى يدي كل من يحمل قلماً ويكتب بشكل موضوعي، عما يختلج في صدره وقلبه من عواطف وأحاسيس، وما يرد في عقله من افكار وآراء.

لقد قام الكاتب بعمل يتّصف بالجرأة والوضوح، تمثل بتقديم قراءة تحليلية تناولت أعمال الشخصيات الأدبية والشعرية والإعلامية التي كتب عنها، مع تقديم نماذج شعرية عن كل شخصية منها.

لقد تميّز الكتاب بالدقة المتناهية، ويبرز ذلك من خلال التواريخ التي يذكرها، وكلها مؤرشفة لديه، فهو أستاذ فعلي بالأرشفة، مع نبذة عن كتب كل منهم ونتاجهم.

هناك ملاحظة، وقد اوردها الكاتب، وهي انه "بالرغم من الزاد الضعيف من الثقافة اللغوية، لكن حياة الغربة ساعدت من اغناء الزاد وتقويته بسرعة" ولذلك فإننا نجد بالفعل شعراً مسبوكاً، ذا صور جميلة رائعة، وعبارات منتقاة واسلوب شيّق".

هكذا انكبّ كامل بزي على العمل والبحث والتنظيم والترتيب والارشفة الدقيقة جداً، وقد تعب التعب منه، وهو لم يتعب، هو يصل ليله بنهاره، ولم يحد لحظة عن الهدف الذي رسمه لنفسه، هو شديد الدقة في عمله، يكتب، ثم يقرأ، ثم يصحّح، ثم يعيد الكتابة ويسأل ويسأل بهدف التصويب والتصحيح الإيجابي، ليأتي العمل كاملاً متكاملاً منسجماً مع اسمه وإسم منتداه "الكامل"، فهنيئاً لنا، ولمكتبتنا العاملية بكتاب "أقلام مهجرية" للكاتب المهجري المتميز كامل محمود الحاج جواد بزي.

مصطفى بزي

Script executed in 0.227541208267