سعد الحريري متورّط في الحراك وقد لا يعود لرئاسة الحكومة - بقلم جورج عبيد

الأربعاء 30 تشرين الأول , 2019 08:55 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 46,035 زائر

سعد الحريري متورّط في الحراك وقد لا يعود لرئاسة الحكومة - بقلم جورج عبيد

هل كان على سعد الحريري أن يقدّم استقالته في هذه الظروف الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، وفي جوف العصف الشعبيّ في الشارع؟ الإجابة على هذا السؤال لا بدّ وأن تمرّ من مقدمتين كانتا المدخل لهذا القرار الذي بلغه:

-المقدّمة الأولى، حينما أطلّ على الناس برسالة تلفزيونيّة حيث اعطى مهلة 72 ساعة للشركاء في الحكومة للاتفاق على الحلول والإصلاحات المطلوبة حتى لا تتفاقم الأمور ولا يتدحرج لبنان نحو الأسوأ.
-المقدّمة الثانية، خروجه بعد مجلس الوزراء الأخير بورقة إصلاحيّة، أجمع الأفرقاء السياسيون وعلى رأسهم أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله على جودتها ومضمونها ضمن المهل الزمنيّة التي وضعت لتنفيذها.

الحافز الآخر الذي دفعه إلى أخذ هذا القرار، عدم استجابة المتظاهرين لدعوة فخامة الرئيس العماد ميشال عون للتفاوض في همومهم ومطالبهم، ووصول مجلس الوزراء إلى حالة الانقسامات العموديّة بين مكوّناته، ممّا أفقد القدرة على مواكبة الأمور بجديّة واضحة وصارمة، تتيح وتبيح للسلطة الإجرائيّة المواكبة الفعّالة لهذا الوضع المتدحرج نحو إمكانيّة تحوّل الحراك الشعبيّ إلى نزف أمنيّ بالإزاء مع النزف الاقتصاديّ، ولا أحد بالتالي يضمن اتجاه الأمور نحو حرب يكتوي فيها لبنان، يبدو أنّ هذا البلد الصغير ليس بعيدًا عن النموذج السوريّ الذي بدأ يتحرّك على الأرض بمجموعة عناصر ومعايير تريد استهلاك لبنان باتجاهات عديدة ترعاها أميركا وإسرائيل وعدد من دول الخليج، والحريري يعرف ذلك بدقّة لا متناهية.

هل قرار الرئيس سعد الحريري جاء نتيجة ضغط خارجيّ أملي عليه، أو هو نتيجة قناعة شخصيّة-سياسيّة تولّدت عنده ونمت في عقله، لتدفعه فيما بعد نحو هذا القرار؟

ليس سهلاً ومع تكثّف الضباب في الجوّ، وتصاعد الغبار من الأرض، أن يتوغّل القلم والفكر في التمييز بين القناعة الذاتيّة عند سعد، وإمكانية وجود ضغوطات خارجيّة انسابت إلى داخل بيت الوسط على أساس أنها نصائح أسديت وتسدى. علمًا بأنّ الأميركيين والفرنسيين بما أعلنوه، طلبوا من رئيس الحكومة عدم الاستقالة. لكنّ ما تكشّف لا سيّما في ظلّ معرفة الكثيرين بالسياسة الأميركيّة بأنّهم يميّزون بالضرورة ما بين الظاهر والباطن. إنهم باطنيون، والباطنيّة عندهم هي الجوهر والأفعل والأفتك. وما يؤكّد ذلك، أنهم خلال الحرب اللبنانيّة، أعلنوا مرارًا وتكرارًا انهم ضد الاعتداءات على لبنان وضدّ الحرب عليه، فيما كانوا يتركون لبنان لقدره أو مجموعة أقداره، ويدعمون إسرائيل الظالمة والمعتدية دون سؤال أو جواب. وترى أوساط دبلوماسيّة بأنّ الأميركيين، على عكس ما أعلنوا، كانوا يشجعون الحريري على الاستقالة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالكلام أو الإشارات. الهدف عندهم محاولة إفراغ العهد من مضمونه بالإمعان في تجويفه، والعمل على تطويقه عبر المؤسسات الأمنيّة أو عبر المؤسسات الحكوميّة أو عبر الشارع. إنّها الحرب يا عزيزي القارئ على العهد وعلى لبنان، وهي حاوية لكلّ هذه المضامين والمعايير بكلّ أنواعها وتجلياتها أو تداعياتها.

السؤال المطروح هل أخطأ الرئيس الحريري بتقديم استقالته في ظلّ هذه الطروف بدلاً من التعاون مع فخامة الرئيس بغية إجراء تعديل موضوعيّ في الحكومة، أو تأليف حكومة جديدة، فتأتي الاستقالة كمقدّمة واضحة لتأليف حكومة جديدة منسجمة بالاتفاق مع رئيس الجمهوريّة، عنوانها الرئيسيّ مكافحة الفساد وإصلاح بنية الدولة؟


لننسى الحوافز المعلنة بعض الشيء ولنغص بما هو غير معلن. فعارفو سعد رأوا بأنّه لم يرتكب خطأ بل خطيئة كبرى. لقد كشفت بعض المعلومات، بأنّ الرجل كان على علم بما يخطّط للبنان منذ أكثر من شهرين وظلّ صامتًا. وتشير المعلومات، بأنّه لمس هذا التخطيط خلال الخلوة التي تمّت بينه وبين وزير الخارجية مايك بومبيو في مزرعته في واشنطن خلال الصيف الماضي. ثمّ بدأت الأمور تتدحرج نحو الأسوأ، كمقدّمات واضحة لتطويق عهد الرئيس عون مظهرًا نفسه متعاطفًا مع سيّد العهد للمحافظة على روح التسوية وجوهرها، فيما ظلّ على علاقة وإت فاترة في بعض وجوهها مع الذين عملوا ويعملون على تظويق العهد. كان سعد الحريري عارفًا أنّ لبنان قد يسير نحو محطّات خطيرة قد تطيح بالتسوية الرئاسيّة التي على اعمدتها رمّم حكومته الأولى ومن ثمّ الثانيّة، وقد أطاحت بها، ومشروع الإطاحة محرّك أميركيًّا وخليجيَّا ولم ينبثّ ببنت شفة.

وتظهر المعلومات بدورها، بأن سعد الحريري أدرج نفسه في اللحظة المنسابة بذروتها إلى الأرض اللبنانيّة ضمن معادلة الضغط الماليّ والاقتصاديّ. وتطرح بعض المصادر السياسيّة سؤالاً وجيهًا: لماذا الوضع الماليّ والاقتصاديّ لم يتدحرج في الحرب على سوريا وعلى الرغم من انسياب الحركات التكفيريّة إلى الداخل اللبنانيّ وممارسة إرهابهم عبر التفجيرات في عدد من المناطق اللبنانيّة؟ حتى هذا الأمر لم يظهر في ذروة الفراغ الرئاسيّ، ولم تستهلك الليرة في سبيل الضغط المتواتر على الرغم من بعض التحذيرات آنذاك. تدلّ المعطيات بأن التوجيه الأميركيّ الذي فهمه الحريري في واشنطن ومواقع أخرى بأن العقوبات نهائيّة على حزب الله ولا تراجع عنها وستؤول إلى تطويق للعهد المتعاطف مع حزب الله تعاطفًا عميقًا. فجاء التوجيه من هذه الزاوية للحريري بأن يتعاون مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة باتجاه تأليف قوّة ضاغطة على الرئيس ميشال عون بصورة مباشرة، قوامها أصحاب محطات النفط، والموزّعون للنفط، ونقابة الأفران، وتجار الأدوية، وأصحاب المصارف والصيارفة، فتمّ ذلك، ولم يكن سعد محرجًا على الإطلاق من حيث السلوكيات الظاهرة من قبله، ولم يستخرج مجموعة حلول. فتبيّن بأنّه حيّد نفسه عن المسألة ليتمّ رميها بوجه العهد والرئاسة.

بإزاء ذلك حرّك الأميركيون بواسطة ديفيد ساترفيلد وسفيرتهم أليزابيت ريتشارد الأرض من العاصمة بيروت إلى الجبل لفوضى أمنيّة ومطلبيّة خلاّقة كان صباط الجيش السابقون، رؤساء الحكومة السابقون، العمال الفلسطينيون، والحزب التقدميّ الاشتراكيّ أبطالها وهي تراكمت في مسرى واحد كادت الدماء أن تسيل في الجبل مدرارة بسببها، وجبران باسيل كان فيها هدفًا، وخطاب الرئيس الحريري تجاهها كان فاترًا ومائلاً نحو البرودة، محافظًا على التسوية شكلاً. لمّا فشلت تلك الحركة، انطلقت الحركة الثانية مستغلّة سفر الرئيس إلى نيويورك لتظهر ابتزازها بصورة مقيتة ونافرة، ولم يتحرّك الحريري في مقاومة الخطّة المرسومة والآيلة إلى كسر الاستقرارين الماليّ والأمنيّ، فانطلقت الخطّة بسهولة تامّة مركّزة على إطلاق الإشاعات من كلّ دب وصوب فدبّ الخوف عند المواطنين من ارتفاع سعر صفيحة البنزين على ضوء ما قيل عن ضريبة ستفرض على المواطنين، وانسابت نحو رغيف الخبز وهو قوت اللبنانيين وطالت أسعار المواد الغذائيّة والدواء، ثمّ بدأ سعر صرف الدولار يرتفع فعليًّا حتى بلغ نحو 1800 ل.ل. وكان كلّ ذلك يتمّ ما بين المصارف والصيارفة وموزّعي النفط وأصحاب المحطّات والتجار، والحريري بدوره لم يفعل شيئًا لتدارك الأمور إلى أن انفجر الشارع اللبنانيّ وبدات الأمور تسير نحو المجهول.

ما يؤلم في الحقيقة، أنّ الرئيس الحريري كان قد أخطر بالخطّة مسبقًا فتكتّم عليها. إنها خطة معدّة بين الأميركيين والخليجيين والإسرائيليين لكي تضعف رئيس الجمهوريّة وصولاً إلى تأليب الشارع بوجهه، وقد ظهر ذلك جهارًا من خلال فلسفة استهلاك التظاهرة لجذبها نحو إسقاط العهد. أتت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، والتي فيها أطلق الرئيس الحريري ورقته الإصلاحيّة، دافع رئيس الجمهوريّة عنها بقوّة في كلمته غلى المتظاهرين ودعاهم لتأليف وفد للتفاوض معه في مطالبهم وفي هذه الورقة، ولم يفعلوا، وحزب الله مع أمينه العام السيد حسن نصرالله دافع عنها وعن رئيسها وقال بأنّ إسقاط الحكومة خطّ أحمر... وكان الأبصار شاخصة إلى قرار يمكن أن يأخذه الرئيس الحريري بإقالة الوزراء الفاسدين من الحكومة، والطلب من جميع الذين أفسدوا من جماعته أو سرقوا بإعادة ما سرقوه إلى ماليّة الدولة ولم يفعل، توقّع كثيرون بأن ينعقد مجلس الوزراء لإطلاق خليّة نحل لتنفيذ الورقة ولم يفعل. وهذا ما دفع بعضهم إلى الشكّ بالأمر، إلى أن طلب من قائد الجيش العماد جوزاف عون بعدم التعرّض للمتظاهرين، فكان أن أغلقت الطرق من قبل عناصر ميليشياوية والجيش لم يتحرّك حتّى استقال الحريري، والحريري بدوره كان متفرّجًا على المشهد، دون الطلب من الجيش بفتح المعابر والطرق، وحين عرض عليه بعقد المجلس الأعلى للدفاع ثلاث مرّات رفض.

الرئيس سعد الحريري أعلن استقالة الحكومة، ولم يتشاور مع الرئيس مسبقًا عنها. وقد تعوّد كثيرون على هذا الأسلوب من الضغط Chantage ليكسب عطف الناس، وقد رشح من بعضهم بأنّ الحريري، وهذا ما كتبته صحيفة الأخبار، كان على تواصل وتنسيق مع المسؤولين عن هذا الحراك بغية استمرار الحراك كقوّة ضاغطة على ميشال عون، ولم يشجع هؤلاء على زيارته للتباحث معه.

في الختام، لا احد يغفل عمق الأزمة الاقتصاديّة بحجمها، لكنّنا أمام أزمة سياسيّة كيانيّة. لقد بأنت الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، وهي قضيّة النازحين السوريين، والعلاقة اللبنانيّة-السوريّة، والتعاطف مع سلاح المقاومة وحزب الله ورفض العقوبات عليه. العهد ولبنان يدفع أثمانًا غالية بسبب هذه الرؤى السليمة التي لا يمكن الحياد عنها في الزمن الحاضر وفي المستقبل. فخامة الرئيس في استقباله وفد الرابطة المارونيّة، أعلن بأنّه ستكون للبنان حكومة أكفياء ونزهاء وهذا ما يحتاج إليه. من يترأسها؟ غالب الظنّ، أنّ الاتجاه قد لا يعيد سعد الحريري بسبب ما صدر عنه وما أظهره. التسوية انكسرت، وحزب الله مألوم ومصدوم من جرّاء هذه السلوكيات الحريريّة النافرة، والحاجة ماسّة إلى التأمل مليًّا بواقع لبنان في وسك اتجاه المنطقة نحو مجموعة تسويات، فتكون الحكومة تكنو-سياسيّة، هدفها إعادة الاعتبار لدور الدولة في لبنان ومكافحة الفساد، وإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم بهدوء وسلام وقيادة لبنان نحو برّ الأمان.

هل هذا ممكن؟ كلّ شيء ممكن، ولندع الأيام تبوح بالمكنونات في القلوب وخلف السطور.

جورج عبيد , tayyar.org

Script executed in 0.032608032226562