الشاشات العربيّة عن اليمن: حربٌ جديدة أسطوانة قديمة

الإثنين 30 آذار , 2015 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 730 زائر

الشاشات العربيّة عن اليمن: حربٌ جديدة أسطوانة قديمة

لا إبداعات خاصة تميّز التغطية الإعلامية المرافقة للحرب الجديدة، عدا الزيادة المخيفة في جرعات الطائفيّة والكراهية والدعوة للشقاق، مع كم هائل من استغباء المشاهد وتزوير تاريخه وحاضره. وإذا كان لا بد للحروب والصراعات من تهيئة إعلامية، فقد أصبح العرب في يومنا هذا، على ما يبدو، أسياد وضع الخلفيات ورسم الأطر وتحديد التوجهات عبر محطاتهم المختلفة... وفي غضون ساعات قلائل ستتم عملية شيطنة طرف وتشويهه فيما يتم رفع الطرف الآخر إلى مصاف أبطال التاريخ المدافعين عن المظلومين والرافعين لكلمة الله الحقة، والعكس صحيح دائماً.

مع إعلان انطلاق عمليّات «عاصفة الحزم»، استفاق المواطن الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي، والمواطن السوري المنهك بحربه الأهلية، والمواطن المصري الضائع بين فقره وبطالته، والمواطن الليبي المسحوق بالاقتتال الداخلي، على الشاشات العربيّة تخبره أنّ اليمن، ذلك البلد المنسي جنوب بلاد الخيرات النفطيّة، أصبح رمزاً لوحدة العرب. شخص ما على تلك الشاشة المخاتلة قال لذلك المواطن أن في اليمن أزمة جديدة (ومسبب تلك الأزمة ــ كما هو حلها ـ سوف يختلف على اختلاف انتماء المحطة وتوجهها)، ولكن المهم في الخبر أن العرب قد قرروا أخيراً أن يتوحدوا في عمل عسكري ضد بلد عربي آخر لنصرة جزء من ذلك البلد على الجزء الآخر.

وهكذا انطلقت «عاصفة الحزم». ولمن تساءل حول منشأ هذا العنوان الهوليوودي المخيف فقناة «العربية» لن تتركه أسير حيرته طويلاً. فها هي تخبرنا في تقرير خاص أن التسمية تأتي من جملة: «الحزم أبو العزم أبو الظفرات. والترك أبو الفرك أبو الحسرات» التي قالها ذات يوم الملك السعودي المؤسس عبد العزيز آل سعود، وتهدف هذه الحملة العسكرية إلى إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح وحماية حدود المملكة من خطر القوات المنقلبة على الشرعية وفقاً لتقرير «العربية».

إذاً إنها الشرعية وحمايتها في اليمن ما يقض مضجع المملكة العربية السعودية، مما يدفعها للتدخل عسكرياً في وجه الحوثيين الذين يرفضون رئاسة عبد ربه منصور هادي المنتخب من قبل شعبه، بحسب «العربية» و «الجزيرة». هكذا ترى هاتان المحطتان الموضوع، ولا تريان أي تناقض في ذلك مع رؤيتهما الخاصة لما يحصل في سوريا، على سبيل المثال. وتمتلك كل من «الجزيرة» و «العربية» الكثير من الخبرة في توجيه الرأي العام والتلاعب بالألفاظ. كيف سيكون موقف المشاهد وهو يسمع عبارة «الشرعية تستعد لجميع الاحتمالات في عدن»، يلقيها معد أحد التقارير في «الجزيرة» بصوته المتهدج؟ ومن ثم ينهال وصف الغارات الناجحة التي يقوم بها سلاح الطيران السعودي بمشاركة باقي الدول الحليفة، ومعه يأتي وصف تراجع قوات «أنصار الله» وتشرذمهم. أما «العربية» فقد خطر لها صدفة أن تعرض وثائقياً مدبلجاً يتناول الشكوك والتحقيقات التي كانت تجريها وكالة الطاقة الذرية حول برنامج إيران النووي. أما قناة «العالم» فقد تولت من جهتها تغطية الغارات التي تستهدف المدنيين في صنعاء وصعدة ومأرب ومدن أخرى، واصفة إياها بالعدوان الذي يقاومه الحوثيّون بضراوة مستمرين في القتال على عدّة جبهات.

وفي وسط هذه المعمعة كان لا بدَّ للمحطات اللبنانية، وعلى ضوء اصطفاف معروف سلفاً، أن تنفض عنها غبار أخبار الفراغ الرئاسي، والفساد المهلك، والأزمات الداخلية الضاربة في عمق المجتمع اللبناني ومؤسساته، ولتكتشف أن الحرب في اليمن تستحق «تغطية خاصة»، قد تصل مع بعض القنوات إلى حدّ يشعر معه المشاهد أن عبد الملك الحوثي نفسه هو من يمنع اللبنانيين من انتخاب رئيس للجمهورية. فها هو محلِّل على شاشة «المستقبل» يبشرنا بأنّ «عاصفة الحزم» ما هي إلا رسالة ترسلها السعودية إلى إيران لتعرف «بأن للعرب أسنانا يمكن أن يعضّوا بها»، بينما ينبئنا محلل آخر أن السعودية ـ قد يبدو هذا التحليل الأكثر إثارة ـ «تلوح بورقة باكستان في وجه إدارة أوباما». فهي بجرّ باكستان إلى تحالف «عاصفة الحزم»، قد تتعاون معها مستقبلاً على تطوير سلاح نووي. إذاً يقول لنا تلفزيون «المستقبل» أن السعودية أصبحت اليوم تهدد الإدارات الأميركية، وأن السلاح النووي السعودي، في حال وجوده، أمر مقبول ولن يشكل أي أزمة على عكس السلاح النووي الإيراني.

على الطرف الآخر، أخذ تلفزيون «المنار» يصف الحالة المعنوية العالية لمقاتلي «أنصار الله» والازدياد المطرد في أعداد المقاتلين المنخرطين في الجبهات تلبية لدعوة الحوثي إلى التعبئة العامة. وفي التحليل كان هنالك مقارنة بين المواجهة مع الاعتداءات الإسرائيلية التي يخوضها «حزب الله» وغزو اليمن من قبل السعودية.

شاشة «الجديد» بدت حائرة في اختيار موقفها، فتارةً تسخر من وحدة العرب في الحرب المفاجئة على اليمن، وطوراً تصف خطاب أمين عام حزب الله الرافض للحرب بالانفعالي. ذلك ما تسبّب بجدل واسع على مواقع التواصل، مع إطلاق بعض المستخدمين اللبنانيين لوسم بعنوان «دكّانة الجديد».

وهكذا يكسب الموت أرضاً أخرى في عالمنا العربي مع إعلام يبذل جهده كي يطبع هذا الموت في أذهان متابعيه، ومعه يعمل على تطبيع تدخّل الدول العربية عسكرياً ضدّ بعضها الآخر، محوّلاً المشاهدين إلى فرق تشجيع وتهليل. فيما ينتشر استخدام مصطلحي «الاحتلال» و «التحرير» في التقارير والأخبار المتلفزة بشكل اعتباطي وعبثي، حتى نسي الناس ما هو الاحتلال الحقيقي وكيف يتم التحرير بحقّ.

يامن صابور

السفير 2015-03-30 صفحة 5 – صوت وصورة


Script executed in 0.04621696472168