الحكواتي عاد وإن لفترة

الإثنين 27 نيسان , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,779 زائر

الحكواتي عاد وإن لفترة

 

لكن الحكواتي عاد ضمن فعالية اسبوع الثقافة وان لم يرتد قبعته وشرواله حاملاً كتابه المهترئ، عاد ومعه بضع قصص من الذاكرة، يعيد عبرها احياء واحد من أهم موروثات "ايام العز" الثقافي لزمن طوته "العصرنة" وسلبته "حريته الفكرية" ومعها "الحوارات واللقاءات" .

عاد الحكواتي في قصص جذبت الطلاب اليها، فهم لم يعتادوا هذا النوع من الجلسات، ربما لا يعرفون ان "الحكواتي" واحد من اهم وسائل "حفظ التراث والثقافة وبناء منظومة فكرية" تساعدهم على تخزين المعلومات في الذاكرة وارشفتها لاستخدامها في حلقة ثقافية ما، جلس محمد جواد ضاهر على كرسيه، حمل سبّحته وبدأ يروي قصة الشاطر حسن للطلاب الذين انشَدوا لها، وللراوي وهو يقارب القصة وهم يربطونها بزمنهم، يقول ظاهر في قصته "كان الشاطر حسن اذا ما عجز عن امر ما فكر بالحل، بحث وسأل وفكر ليجد مبتغاه، كان ذكيا يقرأ كثيرا ويسعى ليتفوق في حياته" وكأنه يدفع بالطلاب ليقرؤوا بعد انقطاعهم عن الكتب، ليستعملوا عقلهم في البحث عن حلول لكل مشكلة تعترضهم، ليُسخروا ذكاءهم في خدمة التفوق لا الخمول.

حاجة ملحة 

في الماضي كان الحكواتي حاجة ملحة اليوم بدا حالة هروب نحو التنمية الثقافية التي تقفز من النوافذ باحثة عمن "يكمش" بيدها ليسير نحو الرقي، في تلك القاعة المزركشة في الكتب جلس ضاهر يروي ويحكي، الكل يصغي، رنين الابرة تسمعه وكأن الكل باع الحديث لاجل الاصغاء الذي بات صعبا في زمن يكتنزه الضجيج من كل مكان سواء من الاغاني الى الفايسبوك والتويتر والتانغو وكأنك امام شلة "ريا وسكينة".

حين انطلق ضاهر في قصصه التي حفظها عن ظهر قلب، وهو الذي عايش حقبة الحكواتي في العقود الماضية، استرسل الطلاب في افكارهم، لاذوا بالتركيز العميق في خيوط لعبة الحكاية التي انطلقت في مشهدية حكواتية من نوع جديد، تتراقص حبات السبحة بين يديه، يرفع بيده معبرا عن غضبه ثم يخفض صوته خشوعا، يتفاعل مع تفاصيل القصة لتصل اسرع للمستمع، بدا في قمة السعادة وهو يلعب دوره بابداع، يجسد شخصية طواها الزمن، شخصية لو تكررت اليوم اقله لمكَنت جيل اليوم من التفاعل مع واقعه بذكاء، بحنكة فأغلب الروايات وان كانت خرافية اذا ما قاربناها مع واقعنا نستخلص منها خيوط اللعبة، ونتعلم كيف تربط الاحداث ببعضها لتصل الى النهاية ، فـ"أغلب الحكايات تجسد قضية" حسب ضاهر الذي يدرك جيدا ان دوره لن يطول ولكنه يؤمن انه "لو افسح له المجال سيعود وبعزيمة اكثر، بخاصة اننا في زمن باتت اغلب حياتنا لا قيمة لها".

زمن العثمانيين

يعود ظهور الحكواتي الى العصور القديمة زمن ابن الرومي وشمس التبريزي وانطلق نحو التوسع وذاع صيته في زمن العثمانيين وانعدام افق التعبير فكانوا يعتمدون على الحكواتي لنقل الرسائل والمعلومات، وكان يعد مرصدا لنقل احاديث الناس اليومية وينقلها بطرافة تتخللها روح النكتة، بعد دخول التلفاز والراديو ووسائل التواصل انتفى دور الحكواتي وتحول الى شخصية من العصر المنسي، لا احد يتذكرها او يأتي على ذكرها بيد ان الحكواتي محمد ضاهر الزجلي المخضرم، يجهد لنقل حكايات الاجداد بطرافتها وعفويتها الى جيل يتوق للتعرف على نموذج جديد من عالم يعد ببلسم الجراح ورأب الصدع الذي اصاب الثقافة والتاريخ والحضارة.

للسياسي حكايته 

في لبنان كل يروي حكايته على طريقته، فالسياسي له حكايته وقصصه التي لا تنتهي، والنائب والوزير والاقتصادي التي لا تخلو من "النق" ، وللمواطن ايضا حكايته التي يريد سردها بعيدا عن سياسة وطن ممزق الهوية، واقتصاد محترق، يريد ان يأتي حكواتيا مفعما بروح النكتة والحماسة، ويأتيه بقصة من الخيال يرويها ويعيش داخلها علّه يتعلم كيف يعالج قضياه باصرار وعزيمة، يحملنا ابو جواد في حكاياته الى عمق الواقع، بين خبرياته التي لا تنتهي وسبحته التي يعد بها حباتها، يرمي الغامه، وعلى الطلاب ان يفككوها، يقول "كان الشاطر حسن يفكر كثيرا بكل معضلة، يبحث في كل شيء عن الحال، لا يهدأ حتى يجده" وكأنه يقول للطلاب "التفوق بيدكم وكل مشكلة حلها بسيط فقط استعملوا عقلكم للتفكير لا لاضاعة الوقت".

سحر ابو جواد الحضور، اعاد بهم الزمن ربما الى حقبة الاستعمار حيث كان الطلبة مناضلين، يدرسون من ناحية ويفكرون في طرد المستعمر من ناحية اخرى، كانت العيون كلها مشدودة والاصغاء سيدا، في مشهد قل مثيله بعد ان غُيب التراث والتاريخ والموروثات العتيقة لصالح اجندة "الثقافة الناعمة" التي خرَبت الواقع الثقافي والفكري للشباب، وجعلته آلة "روبوت" تتحرك في الاتجاه المحدد، فيما "لو كنا نملك ثقافة الذات الحقيقية لما تحول شبابنا الى مهووسي شاشات صماء" حسب ابو جواد الذي يرى ان "تعزيز الثقة بالشباب يجب ان تبدأ بتغيير نمط الحياة والتفكير وان يصار الى تنمية البصيرة الفكرية عند جيل لا يملك منها شيئا ، فارغ المضمون".

فجأة تحول "الحكواتي" حديث الناس، تحوّل اسطورة وقصة يرويها كل شاب فـ"المحجوب مرغوب" يقول ضاهر وهو الذي يرى بدوره ركيزة من ركائز المجتمع التي تحتاج الى من يرويها علّه يستقصي العبر والحكم من واقع مؤجج بقصص تحتاج من يرويها. 

مسلسلات شامية 

اختفى الحكواتي من يوميات الناس، بات من التراث المنسي، لم يعد احد يتذكره الا في تلك المسلسلات الشامية، ومعه يستعيد ممن عايشوه ذكريات مع البسمة والانسجام بقصة غالبا ما تحكي سيرة خيال ولكنها الواقع بكافة جنباته، فالحكواتي يجسد شخصية الراوي لاحداث طريفة عبرت من التاريخ بيد انه بالمفهوم الحالي يجسد راويا لاحداث واقع وحاضر وتاريخ ومستقبل، ويشكل حلقة وصل بين جسرين من الاحداث، والشباب هم قطار العبور لها، يقول محمد ضاهر ان "للحكواتي اهمية كبرى في عصرنا اليوم، فهي تعيد الزخم للفكر الثقافي، وتجدد خيال الشباب التي مات مع شاشات صماء سلبت كل ما هو جميل من حياتنا"، ويعتبر ان "ما يقوم به لا يعدو كونه حلقة صغيرة من سلسلة خبريات يجب ان تستمر لتكتمل قصة الوعي والتركيز والتحفيز التي يفتقد اليها جيل بكامله وهذه من كبرى اشكاليات العصر ونقطة ضعف في واقعنا".

رنا جوني

البلد

Script executed in 0.030456066131592