العمليّة الجراحيّة في القلمون قد تنهي الفراغ في الرئاسة

الإثنين 11 أيار , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,527 زائر

العمليّة الجراحيّة في القلمون قد تنهي الفراغ في الرئاسة

ترخي معركة القلمون بثقلها على المدى اللبنانيّ، والأبصار مشدودة إلى جوهرها ومعانيها خارج سياق الاصطفاف السياسيّ الرتيب، والذي يحاول بعض السياسيين رصفها في جوفه، كتعبير عن ازدواجيّة المعايير الممجوجة في الأصل، ولكنّ الخطاب الداخلي قد اعتاد عليها وتمازجها بثقلها ومن دون أن يلفظها.

وفيما الناس مأخوذون إلى تجليّاتها الأخيرة، في "عمليات جراحيّة" تعتمد صيغة البتر والوصل، أي بتر شرايين الضخ وأوردتها بين مناطق تواجدت فيها جبهة النصرة وتنظيم داعش ووصل أوعية جديدة كمثل الذي حصل بين عسّال الورد وفليطا، ذهب بعض سياسيي الرابع عشر من آذار إلى الطعن في تصاعدها ومواجهتها لحراك "حزب الله" فوق تلك الجرود الجرداء، ممّا استدعى ويستدعي سؤالاً يملك معيارًا واضحًا متحرّرًا من الازدواجيّات المتراكمة، كيف لهؤلاء أن يوفّقوا إذا راموا الاعتدال بمعناه المذهبيّ والسياسيّ، بين لفظهم لتلك الظاهرة التكفيريّة من بيئتهم ورفضهم مكافحة الحزب لتلك الظاهرة التكفيريّة العبثيّة والقاتلة، والتي أمست تشبه الدمل السرطانيّة الضاغطة في هذا الجسد تأكل من خلاياه؟ وتاليًا، كيف يفسّر هؤلاء ما يبدونه قولاً ويبدّلونه فعلاً، فيما يفترض أن يقرنوا القول بالفعل بمجرّد التسليم الجليّ والحيّ والواضح بضرورة القضاء على هؤلاء والمشاركة في عمليات تعبّر عن تكليف وتفويض أخلاقيّ وروحيّ ووطنيّ، طبقًا لخطابهم السياسيّ المعتدل، يقاتل هدفيّة سعي القوى التكفيريّة وسببيّة زرعها ومنطلقات وجودها، مستندين على سبيل المثال لا الحصر إلى رؤية فقهيّة عادلة وعاقلة واضحة أبداها مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ عبد اللطيف دريان غير مرّة برفض هؤلاء، ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري أكثر غير مرّة من التصاريح التي تدين هؤلاء ودعا إلى مقاومتهم، فلماذا يرفض الحريري مقاتلة "حزب الله" لهؤلاء طالما أن الهدف واحد؟

بتصوّر بعض المراقبين، أن رفض الحريري معلّب، أو هو شاء انزواءه وتقوقعه في ثقافة التعليب، محاولاً استعادة موقعه في دلك المدى المنتِج في أصله لهذه القوى والتنظيمات التكفيريّة، ومستدخلاً ذاته في عناوين الصراع ومستكينًا في مفرداته ومتربّعًا في عباراته من اليمن إلى سوريا ولبنان. وتتحرّك بعض القوى لفظًا وشجبًا بحراكه، واللفظ عندها حتمًا يلد اللفظ عينه في معنى الهجوم على المعركة ومحتواه.

معركة القلمون في واقعها وموقعها، إطلالة استراتيجية على معارك تشبهها في واقعيّتها وموقعها من ريف دمشق أيضًا وصولاً إلى القنيطرة على الحدود مع إسرائيل، وفي الشمال على الحدود السوريّة-التركية والسوريّة-العراقية بكسر المشيئة التركيّة-السعوديّة-الإسرائيليّة بإيجاد مناطق عازلة في القنيطرة وفي جسر الشغور أو إدلب، وقطع الطريق ما بين حلب واللاذقيّة. لكنّها في حقيقتها أيضًا إطلالة استراتيجيّة تعيد الاعتبار إلى الحدود اللبنانيّة-السوريّة، باستئصال هؤلاء وصولاً إلى عرسال وبريتال ورأس بعلبك والقاع... وتلك العمليّة في جوهرها من شأنها تعرية المضمون من الوشاح الملقى عليه، في مراد من يرفضون تلك المعركة. فالمعركة فوق تلك الجرود الجرداء، سيكون لها موقعها الحاسم على مستوى الملفّات الداخليّة اللبنانيّة، وأهمها ملّف الانتخابات الرئاسيّة. وفي مقارنة بسيطة وموضوعيّة، إنّ عملية السابع من أيّار سنة 2008 وقد مررنا بذكراها بحجمها المحليّ المحدود وإن بإطارها العربيّ-الدوليّ، انتجت اتفاق الدوحة، والذي أدى إلى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهوريّة، فكيف بمعركة كبرى بحجمها الاستراتيجيّ في المنطقة وعلى الحدود بين لبنان وسوريا. تلك المعركة تملك خصوصيّة فريدة "قد" تحسم الرؤى السياسيّة الداخليّة باتجاه من سيكون الرئيس وموقع الرئاسة، و"قد" تعجل ببتّ التعيينات العسكريّة والأمنيّة. فالسجال بدوره مرتبط بموقع القوة على الأرض من الحدود إلى الداخل.

هل ستنهي معركة القلمون بنتيجتها الكبرى الفراغ في الرئاسة؟ لا يمكن التسرّع على الإطلاق بإبداء أجوبة حاسمة وقاطعة. فالمعركة جزء من حرب تشي بانكشاف مواقع القوى هنا وهناك. فالحرب لم تحسم ولكنّ الجولات فيها تحسم لمصلحة هذه القوة أو تلك. لكنّ معركة القلمون بخصوبتها وبما يمكن أن ينتج عنها من نتائج، ليست خصوصيّة سوريّة بتوصيف دقيق بقدر ما هي خصوصيّة سوريّة-لبنانيّة وفي الوقت عينه خصوصيّة لبنانيّة بالانعكاسات الداخليّة سواء بالتجليّات أو التداعيات. لكنّ الأساس في الخصوصيّة اللبنانيّة أنّها تملك مفتاحًا للحسم يمكن توظيفه بحزم إذا شاء المنتصرون على الأرض استخدام موقع القوّة باتجاه الهدف أي حسم مصير الرئاسة بإبعاد حرف التقليل "قد" عن فعل حسم مصير الانتخابات، وتحويل حرف التقليل إلى حرف تأكيد، فيحسم معها مصير الجمهوريّة اللبنانيّة إمّا بتطبيق اتفاق الطائف، أو الشروع باتجاه مؤتمر تأسيسيّ لبنانيّ يمكن أن ينطلق من حالة حوار واقعيّة أنموذجيّة تكون المقدّمة الفعليّة لمؤتمر تأسيسيّ يحضّر للشرق الأوسط برمتّه انطلاقًا من حسم الخيارات العسكريّة في الإقليم الملتهب من اليمن إلى سوريا، ومن الحجاز إلى دمشق، بدلاً من أن يكون لبنان آخر ساحة من ساحات الصراع يتلقى نتائج المؤتمر على حساب توازنه الميثاقيّ الدقيق.


Script executed in 0.044221878051758