مستوصفات لبنان ... في انتظار حملة التطهير الفاعوري

الثلاثاء 12 أيار , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,810 زائر

مستوصفات لبنان ... في انتظار حملة التطهير الفاعوري

ومن أبرزها مشكلة المستوصفات العشوائية التي تحولت إلى أدوات للحشد الانتخابي، وسط غياب الرقابة الرسمية التي تتقاذف مسؤوليته، وزارتا الصحة والشؤون الاجتماعية، وانتشار الأدوية المنتهية الصلاحية ومنح الوصفات الطبية الخاطئة... وغيرها من الانتهاكات.

منذ سنوات ويُحكى ما يحكى عن "سوق" المستوصفات اللبنانية، واليوم يعود هذا الملف إلى الواجهة بعد تصريح نقيب الصيادلة ربيع حسونة الذي أعلن بأن قانون الوصفة الطبية الموحدة التي ستدخل حيّز التنفيذ في أول حزيران القادم "لم يطبق إلا على أصحاب الصيدليات، وهناك تجارة في المستوصفات على حساب الفقير".

تكاثر انتخابي

هذه المستوصفات التي تختصر تركيبة المجتمع اللبناني ونظامه الطائفي، والتي نجدها تتكاثر خصوصا في الفترات الانتخابية، كونها مصدرا للأصوات من بئر الحاجة وقعر الأزمات الاقتصادية المتكالبة على اللبناني، هي نفسها المستوصفات التي طالما سلّط المعنيون الضوء على أخطارها، خصوصاً في ظل غياب الرقابة عليها، وتحدّثوا عن الكثير من الاقتراحات حول قانون يضبط عمل المستوصفات لا سيما في موضوع الدواء وتوزيعه أو بيعه الى المواطن، ولكن الوضع على ما هو عليه منذ عشرات السنين، لم وربّما لن يتغيّر، إلا في حال طاولت حملة الوزير ابو فاعور المستوصفات في لبنان وفسادها "المحمي من الأحزاب والقوى السياسية".

مشاهد مبعثرة

وإزاء مشاهد المستوصفات المبعثرة تتسارع إشارات الاستفهام لتلتف حول كمّها الهائل وغير المنظّم، وحول نظرة اللبنانيين إلى المستوصفات باعتبارها مركزا استشفائيا درجة أخيرة، وكيف لعدم مراقبتها أن يؤثّر على صحة المواطن الذي أجبرته ظروفه الصعبة إلى اللجوء إليها، وأين تكمن عناصر المتاجرة فيها، هل في عملية توزيع الأدوية غير الصالحة أم في أبواب أخرى، وأين أصبحت مصلحة المواطن الصحية في خضم كل هذه التركيبة؟

خيارٌ مرّ

يكاد يُجمع اللبنانيون أن المستوصفات هي مراكز استشفاء درجة أخيرة، ويجمعون أنه لولا "الحاجة وغلاء المعيشة، والكلفة العالية للاستشفاء في لبنان" لما كان طرق أحدهم باب المستوصفات.

يعتبر الحاج أبو محمد، وهو رجل مسن يداوم على زيارة المستوصف منذ سنوات، بأن مستوصف "حارته" هو منقذه الوحيد من الموت، ويعرف أبو محمد حق المعرفة بأنه لو كان يتلقى علاجه في مركز صحي مؤهل ويأخذ دواء مطابقاً لحالته المرضية لكانت تحسنت حالته، ويضطر أبو محمد كما الكثيرون من زوار المستوصفات بالتغاضي عن الأخطاء الشائعة سواء في التشخيص أو في معاملة المرضى "كونهم مجبرين على ارتيادها، إذ ما من مكان آخر لاستقبال المرضى بشكل مجاني أو شبه مجاني".

أما أم جهاد فتفضل "الموت بعلّتها" على أن تزور مستوصف البلدة، الذي يعتمد المعايير الحزبية السياسية في إدخال المرضى دون الأخذ في الاعتبار وضع المريض الصحي، أو احترام الدور الذي يتم تسجيله في غرفة الاستقبال، فهي ترى بأن المستوصفات تحولت إلى "دكاكين انتخابية وطائفية ترفع صورة هذا الزعيم أو ذاك، ولا تهتم لا من قريب ولا من بعيد لصحة المواطنين". ولا تنسى أم جهاد بأن مستوصف بلدتها كان يبيع الأدوية التي يفترض أن تكون مجانية، ولكن بأسعار تبقى أقل من أسعار المراكز الصحية الأخرى، مع العلم أنها أدوية مفرّغة من علبها و"لا نعلم إن كانت صالحة، وهي إن كانت كذلك فستفقد صلاحيتها في تلك الخزانة التي تضربها الشمس يومياً ما يقارب الثلاث أو أربع ساعات".

متاجرة "خيرية"

ويرى الدكتور اسماعيل سكرية، رئيس الهيئة الوطنية الصحية، بأن موقف نقيب الصيادلة من المستوصقات ليس بالموقف الجديد، بل هناك دائماً "هجوم ساحق ماحق على المستوصفات من نقيب الصيادلة" في ظل الصراع المصالحي المستمر بين الطرفين، ويشارك سكرية حسونة في جزء من موقفه، في "فوضوية الدواء الموجود في المستوصفات، مشبوهيته، طريقة تخزينه، وتسييس المستوصفات لصالح الطوائف والأحزاب". ويؤكد بأن لا رقابة على المستوصفات اللبنانية، و"بخاصة أن قسما كبيرا منها، إما هي مستوصفات سياسية حزبية، وإما طائفية مذهبية، تحت عنوان خيري وإنساني".

ويشير إلى أن المتجارة تتم في المستوصفات عبر "هذه المؤسسات المُنشأة باسم جمعيات خيرية تُدخل الدواء دون أي رسوم، تحت عنوان عمل الخير، ومنهم من يستورده ويعاود بيعه، عبر التواطؤ مع بعض المستشفيات أو الصيدليات". ويطرح سكرية على سبيل المثال لا الحصر، أدوية الأمراض المزمنة كـالسكري، الضغط، الشرايين، الكلى والكوليستيرول ....وغيرها من أدوية الأمراض المزمنة، فـ"هناك جمعية معيّنة تأخذ 4 مليارات من منظمة الصحة لتؤمن هذه الأدوية للمستوصفات المرخصة، ولكن إذا ما سألت الأهالي في معظم المناطق إذا كانوا يحصلون على هذه الأدوية بشكل مجاني أم لا، فترى بأنهم لطالما طلبوا هذه الأدوية ولم يجدوها في المستوصفات، أو يشترونها مقابل بدل مالي وليس بشكلٍ مجاني". كما تأتي هبات أدوية كثيرة بخاصة من كندا لكن دول الهبات "لا تمنحنا ذلك ككرم أخلاق منها، بل من أجل تخفيف الضرائب على نفسها، ولتخفف كلفة الحرق والتلف في بلادها، وبالتالي يتكارمون بالهبات مع اقتراب انتهاء الصلاحية، وتغرُف الجمعيات من هذه الأدوية وتبيع، وتتبع أسلوب الشطارة والمتاجرة، عبر كيفية تسريب الكمية الأكبر بواسطة المستوصفات والمستشفيات، وكثيراً ما توزع هذه الأدوية بغلاف نايلون كي لا يتم التعرّف على مدة صلاحيتها الحقيقية".

أضرار صحيّة

وعن أعداد المستوصفات في لبنان يقول سكرية بأن هناك لا يقل عن 1700 مستوصف، بينما الوزارة لا تعترف بوجود أكثر من 1000، أما نقيب الصيادلة فيقول: إن أعدادها تلامس الـ 3000 مستوصف.

ويرى سكرية بأن مقولة المستوصفات تجارية انتخابية بالدرجة الأولى، واستشفائية فعلية للمواطنين درجة أخيرة، تنطبق على جميع المستوصفات تقريباً، و"النسبة الأكبر من المستوصفات إما لها أهداف محلية اجتماعية أو سياسية أو حزبية أو غيرها، ولكن بنفس الوقت الجانب التجاري موجود ومحسوب باستمرار، إلا في النوادر النوادر". وبمجّرد الحديث عن أدوية منتهية الصلاحية أو فاسدة بسبب سوء التخزين أو فعاليتها جزئية يُفتح الباب أمام تراكم تداعي مرض معين وتضاعفات أكبر على المريض "ما يشكل خطراً على صحة المواطن".

 

أسباب التأخير

ويعتقد سكرية بأن حملة أبو فاعور لم تصل بعد الى المستوصفات، لأن المستوصفات تختصر تركيبة البلد، من طوائف ومذاهب ورجال دين، وأحزاب وقوى سياسية، متوجّهاً بالسؤال إلى وزير الصحة "هل يمكن لحملتك أن تستهدف مستشفى النبطية، مثلا، اذا ذكرت لك بعض التجاوزات التي تحصل بداخله، أو غيرها؟" إلا أنه لا ينفي إمكانية وصول حملة الوزير أبو فاعور لتنظيف المستوصفات، ولكن يعتقد بأنها ستتأخر عن ذلك كون الغوص في تنظيفها ستكون له عوارض ومشاكل كبيرة، لأنها تختصر تركيبة النظام الطائفي في لبنان، فـ"هناك أحزاب تستورد أدوية وأحزاب تنشئ مستوصفات وفي اللعبة أيضاً قوى سياسية ودينية على مستوى عالٍ، تصعُب مقاربته".

نهلا ناصر الدين

البلد 


Script executed in 0.032912015914917