مخيمات صور.. ألم النزوح وأمل العودة

الخميس 14 أيار , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,504 زائر

مخيمات صور.. ألم النزوح وأمل العودة

على الرغم من العلاقات التحالفية الواسعة بين الفصائل الفلسطينية وأحزاب «الحركة الوطنية اللبنانية» في المرحلة الممتدة منذ العام 1975 وحتى العام 1982، تاريخ الاجتياح الاسرائيلي.

شكل الاجتياح تحولاً في المسار السياسي وموازين القوى، ذلك بعدما فقدت المنظمات الفلسطينية وفي مقدمها «حركة فتح» خريطة انتشارها العسكري خارج المخيمات، وإعادة وضعها إلى ما قبل العام 1975 نسبيا، وانحسارها داخل المخيمات.

ولم تكن المحطة الثانية، التي مرت فيها المخيمات، بدءا من النصف الثاني من العام 1985 وإلى العام 1990 التي تمثلت بحرب طويلة بين «حركة أمل» والفلسطينيين، أقل تأثيراً في الفلسطينيين، وكذلك في محيطهم اللبناني.

بالنسبة إلى غالبية أبناء مخيمات الرشيدية، والبرج الشمالي، والبص، وتجمعات جل البحر والشبريحا والقاسمية، وسواها، فإن تينك المحطتين، على الرغم من آلامهما قد طويتا، وفُتحت طريق أخرى من التلاقي بمسؤوليات مشتركة.

في داخل المخيمات، التي كانت فيها السيطرة المطلقة لـ «حركة فتح» والمنظمات الفلسطينية اليسارية، وفي طليعتها الجبهتان «الشعبية» و «الديموقراطية»، تبدل المشهد السياسي، بعد بروز الحالة الإسلامية المتمثلة بحركتي «حماس» و «الجهاد» على حساب التمدد اليساري. وحافظت «حركة فتح» بالرغم من تراجعها السياسي على الإمساك بأمن المخيمات التي تعتبر الأكثر أمنا وهدوءاً في لبنان.

تشكل مخيمات منطقة صور وتجمعاتها، التي يقطنها أكثر من خمسين ألف لاجئ يتساوون عدديا مع أبناء مدينة صور، رافداً اقتصادياً وتجارياً كبيراً، ودورة في الحياة الخدماتية لمدينة صور وجوارها، وعندما تتأثر تحويلات الفلسطينيين المالية ويتأخر دفع رواتب الموظفين والمتعاقدين، ينعكس ذلك على النشاط التجاري في صور.

الفقر والهجرة

تتفاوت نسبة الفقر بين مخيم وآخر، ويتصدر مخيم البرج الشمالي الذي يقطنه اكثر من 17 ألف لاجئ المشاكل الاجتماعية المتمثلة بالفقر والحالات المرضية، وتشير الدراسة التي أجرتها وكالة «الأونروا» بالتعاون مع «الجامعة الأميركية في بيروت» سنة 2010، وقد شملت 2600 اسرة في مخيمات لبنان، إلى أن ثلث الفقراء من اللاجئين الفلسطينيين هم في منطقة صور، إلى جانب الأمراض المزمنة والتسرب المدرسي وسوء السكن.

ولكن المخيمات الرئيسة الثلاثة التي ترتفع فيها حالات الفقر والهجرة المتواصلة إلى أوروبا، حيث الآلاف من شبان المخيمات في السويد والدنمارك وبلجيكا والمانيا وغيرها، تحسنت بنيتها التحتية. وشهد مخيم البرج الشمالي تمديدات لمجاري الصرف الصحي، كذلك مخيم الرشيدية الذي بدأت فيه ورشة عمل كبيرة تشمل البنى التحتية وعلى رأسها تمديد مجاري الصرف الصحي وتعبيد الطرق.

لا توجد أي دراسة تفصيلية وعلمية حول واقع المخيمات والتبدلات السياسية والاقتصادية والديموغرافية. يسرد رائف أحمد عقلة، في كتاب عن مخيم البرج الشمالي، بعنوان «من ألم اللجوء إلى أمل العودة» واقع مخيمات صور بشكل مقتضب. يتناول فيه أوضاع البنى التحتية والخدمات، وفي الفصل المتعلق بمخيم الرشيدية وهو أكبر مخيمات المنطقة (22 الف لاجئ) يشير إلى أن نسبة البطالة في المخيم قبل ثماني سنوات تبلغ أربعين في المئة، وحوالي ألفين وخمسمئة مهاجر، ووجود مستشفى وحيد هو «مستشفى بلسم» التابع لـ «الهلال الأحمر الفلسطيني».

يشدد مؤسس «متحف التراث الفلسطيني» أبو أدهم محمود دكور على حسن الجيرة مع محيط المخيمات، والتي بدأت تعود إلى طبيعتها، بعد توترات مراحل الحرب الأهلية، التي انعكست سلباً على المخيمات من النواحي كافة. وساهمت إلى حد معين في الهجرة الداخلية لأبناء تلك المخيمات.

انعكاسات سلبية

يشكو دكور من غياب الحوافز الفلسطينية للفلسطينيين، لناحية المساعدة في المشاريع الثقافية، وإعداد الدراسات الميدانية المتعلقة بواقع المخيمات وسبل معالجتها، مؤكداً أن علاقة أبناء المخيمات بمحيطهم هي علاقة روحية، ولا يمكن للطرفين الاستغناء عن بعضهما البعض، خصوصاً في ظل الاندماج الاقتصادي والتجاري والاجتماعي المتمثل باستمرار المصاهرة والتبادل التجاري.

يشير مصطفى طه، وهو ناشط اجتماعي، إلى أن واقع المخيمات تبدل قبل بدء الحرب الأهلية، بعدما خرجت المخيمات عن سلطة الدولة اللبنانية في العام 1970، ومغادرة مخافر الدرك، والمكتب الثاني، للمخيمات التي أصبحت تحكم نفسها بنفسها من خلال ما يعرف اليوم بـ «اللجان الشعبية».

يضيف طه: الحرب اللبنانية التي كانت المخيمات جزءا منها، أثرت بشكل كبير في الواقع الفلسطيني، لكنها في المقابل، كانت تعيش بحبوحة اقتصادية بفعل أموال منظمة التحرير الفلسطينية، وانخراط ألوف الشبان في الحياة العسكرية، على عكس اليوم، حيث الأزمة الاقتصادية في المخيمات تبلغ حدها الأقصى، نتيجة غياب فرص العمل

وتراجع عدد المخصصات المالية وارتفاع نسبة الشبان المهاجرين، ومنع الفلسطينيين من مزاولة عشرات المهن.

يسجل مدير «منظمة ثابت لحق العودة» سامي حمود، جملة من الانعكاسات التي اصابت المخيمات الفلسطينية في منطقة صور بين العامين 1975 و1990، وفي مقدمها النظرة السلبية إلى الفلسطيني، والتعاطي معه من زاوية أمنية، بسبب ما خلفته الحرب من تداعيات على النسيج الاجتماعي. يقول: تلك المرحلة انتهت، وتستعيد المخيمات علاقاتها الطبيعية مع جيرانها وبصورة خاصة مع بعض القوى التي شهدت معها حرباً قاسية، وهذا شيء إيجابي وضروري للخروج من مفاعيل الحرب. ويشير إلى أن مخيمات منطقة صور تضم أكبر نسبة من الفقر المدقع، وفق دراسات عديدة، مشدداً على أهمية رفع إجراءات منع دخول مواد البناء إلى المخيمات، الذي يساهم في تحريك النشاط الاقتصادي ولم شمل العائلات التي لا تجد مساكن آمنة.

التأثر الاقتصادي

يرى مدير «المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان - شاهد» الدكتور محمود حنفي أن تأثيرات الحرب لها ثلاثة جوانب سلبية: إنساني - اجتماعي، وسياسي، واقتصادي. فلا يزال الكثير من الأشخاص مفقودين، إضافة إلى استمرار التباين السياسي بأشكال مختلفة، وصولاً إلى ضرب البنية الاقتصادية للمخيمات.

ويظهر حنفي الترتيب الاقتصادي للمخيمات، إذ يحل البص الأفضل، ويليه الرشيدية، وثم البرج الشمالي الأكثر سوءاً.

وبخصوص تجمعات الشريط الساحلي، ومنها القاسمية والشبريحا، فقد شهدت هجرة كبيرة لأبنائها الشباب بعد العام 1985 نتيجة الواقع الأمني آنذاك. وأصبح تجمع القاسمية يطلق عليه تجمع ألمانيا وتجمع الشبريحا تجمع الدنمارك نسبة إلى وجود عدد كبير من سكانهما في ذينك البلدين. ويؤكد أن المخيمات يزداد فيها الفقراء، بعد الشح الكبير لأموال «منظمة التحرير الفلسطينية» ومؤسساتها، وتقلص خدمات «الأونروا» والأوضاع الاقتصادية العامة في لبنان.

يسلم مسؤول العلاقات السياسية في «حركة فتح» في منطقة صور جلال أبو شهاب بالنواحي السلبية التي أنتجتها الحرب الأهلية على المخيمات التي فرض على الفلسطينيين دخولها، كما يقول. فخلال سنوات الحرب وما بعدها نالت المخيمات في منطقة صور قسطا كبيرا من العدوان الإسرائيلي الذي ارتكب مجازر عديدة، أبرزها مجزرة مخيم البرج الشمالي سنة 1982، لافتا إلى أن ذيول الحروب المحلية المؤلمة التي حصلت في المنطقة، أصبحت من الماضي وعلاقاتنا مع الجميع في المنطقة، لا سيما القوى السياسية ممتازة ولا تشوبها أي مشاكل اليوم، كما أن أمن المنطقة جزء من أمننا ونحن حريصون على تنامي علاقات المودة والاحترام.

حسين سعد

السفير بتاريخ 2015-05-14 على الصفحة رقم 5 – محليّات

Script executed in 0.054986953735352