نبتة ممنوعة... شباب يدخنون الحشيشة ويسمونها "سعاد"

الخميس 14 أيار , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,631 زائر

نبتة ممنوعة... شباب يدخنون الحشيشة ويسمونها "سعاد"

سحر مندور -

تختلف التسميات والاستخدام لنبتة واحدة، خضراء "ما مست الأحزان ساحتها، إن مسها حجر مسّته سراء". بذلك يصفها أحد "المقرّبين" منها، وإن بقي وصفها الرسمي: "زراعة ممنوعة".

والزراعة الممنوعة مرغوبة جداً، حسب ما يبدو، في أجواء شبابية بدأت بالاتساع، منذ فترة غير قصيرة، مرغوبة ومتوافرة، ممنوعة ومتوافرة.

هي "الحشيشة".

أما التسميات فتختلف بين الشباب، بين الشلل، نتيجة وعيهم لكونها "نبتة ممنوعة" واستخدامها ممنوع ووجودها بين أصابعهم وداخل "ورق الشام" ممنوع.

وورق الشام هو الورق الأكثر رواجاً للف نبتة الحشيشة واستهلاكها نتيجة توافره، بدوره، في مختلف المحلات التجارية، بدءاُ من "الهيبر سوبر ماركت" مروراً بالـ"ميني ميني ماركت"، وصولاً إلى ما نسي الزمان اضفاء تسمية "ماركتية" له، تلك الدكاكين القائمة على "ستاند" واحد يعيث الغبار فيه فساداً.

متوافرة بكثرة، مستهلكة بكثرة، أجواؤها منوعة، استخدامها بات يضفي شرعيّةً ما على مستخدمها، شرعية الـ"فايت بالجو".

وحجج مستخدميها في الدفاع عنها، حججهم في نفي صفة "ممنوعة" عنها وفي نفي صفة "محق" عن منعها هي: "الدخان العادي أكثر ضرراً بالصحة منها، وذلك بناء على تحليلات علمية".

كيف تعرفت إلى الحشيشة وكيف اتّخذت قرار استهلاكها وهل من السهل الوصول إليها وكم يكلفك استهلاكها مادياً وما الذي يربطك بها وهل هي مادة إدمانية، وهل هي مادة منتشرة في وسطك وهل هي مادة تغير شكل صداقاتك وشكل محيطك وهل هي...؟ وهل أنت...؟ اسئلة كثيرة حول مادة ما عاد من الصعب إيجاد إجابات حولها.

أسئلة كثيرة حول مادة تصنع في لبنان، تصدر من لبنان، وتستهلك، أيضاً، داخل لبنان، "لبنان الأخضر لبنان".

وصلت الحشيشة معظم الشباب عبر "صديق"، والصديق هذا تعرف إليها، بدوره، وبالصدفة، عبر صديق... الأصدقاء كثر والكل يتبرع بالنصيحة والنصيحة كثيرا ما تصل بالأصدقاء إلى التجربة فبناء علاقة وطيدة مع نبتة يسهل بناء العلاقات الوطيدة معها، من دون عذاب ضمير، نتيجة ما يحيط بها من "خبريات" حول كونها "صحيّة"، غير خاضعة لإضافات كيميائية، لا تؤدي بمدخنها الى الادمان ومرفقة دائماً بالعبارة التي باتت شائعةً جداً على لسان كلّ من جربها ونصح غيره بالتجربة: "أعشاب طبيعية، متل الينسون".

فهي، على عكس المخدرات كالكوكايين والهيرويين، لا تقدم جمهوراً "متخصّصاً"، بمعنى أنّ مدخنها ليس مدمناً بالضرورة، بالنسبة إلى البعض منهم هي سهرة عابرة، أسبوعية، شهرية أو كلما توافرت، وبالنسبة إلى البعض الآخر هي جزء من سهرة يومية، يدخنها كما لو أنّه يشرب كأس كحول قبل السهرة أو لإنعاش السهرة. وبالنسبة إلى بعض اخير، تظهر الحشيشة كأنّها الصديق الدائم ليوم طويل، يتم لف السيجارة الثانية مع انتهاء تأثير السيجارة الاولى، وهكذا دواليك، ومن دون أن تعيق تطوّر نهاره، في المنزل، في مركز العمل، في الجامعة أو في المقهى.

لا تقدّم جمهوراً متخصّصاً بمعنى، أيضاً، أنّها لا تملي على مدخنها صورة اجتماعية معينة، لا تملي عليه تصرفات معيّنة أو مجتمعات معيّنة، يدخنها ويبقى على حياته الطبيعية، الفكرية، الاجتماعية الخاصة به. ممّا يصّعب رسم معالم "مجتمع مدخن" وإن بقي ذلك "المجتمع الشبابي" أقرب إلى نفسية العاصمة الثقافية منه إلى "كل الناس".

يقول عامر، وهو في الثالثة والعشرين من العمر: "بعرف اللي بيدخن حشيشة من اللي ما بيدخن حشيشة. تظهر على تصرفاته ومن نكاته ومن إشاراته، فبينهم من تظهر هي عليه، يظهر تأثيرها المباشر عليه، ومنهم من يعتبرها تجربة مهمة في حياته فلا ينفك عن الاشارة إليها عبر نكات ضمنية مع أصدقائه، يظن أنّ أحداً لن يفهم عليه لأنّه جرّبها، فإذا بكل من حوله يفهم عليه، لأنّه جربها".

عامر طالب في الجامعة اللبنانية يدخن الحشيشة بصيغة عادية إذ أنّه يعتبرها، أيضاً، "ما بتضر وحلوة... ليش ما بدي دخنها؟". ويرفض أن يسمى "متعاطي حشيشة"، لأنّ "الحشيشة لا يتم تعاطيها، هي ليست من المواد البيضاء )كوكايين وهيرويين)، وكلمة تعاطي تحمل معنى الادمان. أنا أدخّن حشيشة، لا يمكنك أن تدمن الحشيشة".

يقولها كأنّه يضيء إلى جانب من المستغرب ألا يكون مضاء كفاية حتى اليوم. يتكلّم عن الحشيشة كأنّه يتكلّم عن المياه، أيّ كأنّه من الصعب أن تجد كائناً، شاباً تحديداً، شاباً مختلطاً مع الأجواء الشبابية في العاصمة، أو ما يشبهها من أجواء القرى، من دون أن يكون قد "ذاق طعمها".

كذلك، تجد ماريا، زميلته في الجامعة، أنّه من الصعب جداً على شاب "مجرّب" ألّا يكون قد اختبر الحشيشة ولو لمرة واحدة: "ما هي حولك وحواليك يا عمي". وهي قد تعرفت إليها عند نزولها من ضيعتها الشمالية إلى بيروت للدراسة، تعرفت إليها من خلال أصدقاء شريكتها في السكن. وشريكتها في السكن، أيضاً، تعرفت إليها بواسطة اصدقائها: "أصحاب رولا نزلوا على بيروت قبلنا بسنة، أتوا مرة إلى بيتنا، في عيد ميلاد رولا، وقالوا لنا أنّ عيدها هذا سيكون مميّزاً لأنّهم سيعرّفونها إلى فخر الصناعة المحلية، حسبما سموا الحشيشة. خفنا نحن في البداية عندما عرفنا ما الذي يقصدونه بـ"فخر الصناعة المحلية"، لكنّنا دخلنا التجربة معهم بعدما أكّدوا لنا أنّها غير مضرة وشرحوا لنا الفرق بينها وبين المخدرات. ايه، ومنذ ذلك الحين، بات "فخر الصناعة المحلية" يزورنا بشكل عادي، كلّما دعت الحاجة أو كلّما رغبنا بها"، تضحك وتضيف: "ضيف خفيف".

ويؤكد عامر ورولا وماريا أنّه يمكنهم الحصول على الحشيشة كلّما أرادوا بعضاً منها، "ما في أسهل من هيك، إلا ما واحد منا يكون معه".

يشترونها من شاب صديق يعرف تاجراً من بيروت على علاقة بتاجر من البقاع.

كلّما أرادوا يطلبون من الصديق الذي يتّصل بالتاجر البيروتي الذي، إن لم يكن يملك بعضاً في اللحظة المطلوبة، يتّصل بالبقاعي ويأخذ الموعد منه فيتم اللقاء في اليوم المحدد لتصلهم المادة في اليوم التالي. "بس قليل ما ننقطع هيك، لأنه لما منجيب بنجيب كثير وما بندخن نحن عادة كثير، فبيبقوا".

خمسة وعشرون دولارا سعر الكمية التي تكفي لحوالى عشرين سيجارة، والأسعار تختلف باختلاف التاجر والكميات تختلف باختلاف التاجر.

"الحمد لله تعرفنا الى شاب بيعطينا كثير بمصاري قليل. اللي قبله، كانت الخمسة وعشرين دولاراً لا تكفي لعشر سيجارات! حرامي".

تقول مها، وهي طالبة، في السابعة عشر من العمر، في مدرسة فرنسية: "أجواء المدرسة عنا تحتّم على الطالب أن يعرف اسم الحشيشة ومن بعدها يختار أن يجرّبها أو لا. ما بعرف، لم أعد أشعر بها ممنوعاً خطيراً. يمكن لأنّني تعرّفت إليها باكراً، من سنة ونصف سنة، لكنّني الآن أعتبرها سيجارة عادية، أخاف من أن يعرف اهلي بتدخيني لها، أظن، كما كان يخاف طلاب المدرسة من عشر سنين أن يعرف اهلهم أن يدخنوا سيجارة عادية".

لذلك، ربما، في أجواء الشباب، لا توجد صعوبة قصوى في الطلب ومن ثمّ في الحصول، إشارات تكفي ليعرف المدخن إن كان الآخر مدخناً، فيسهل الطلب، أو إن كان مترفعا فيخرج تلقائيا من دائرة "اللي ممكن نطلب منهم".

ومن المضحك أنّه بات للحشيشة تسميات مختلفة تختلف مع اختلاف الـ""Groupe حسبما تؤكد سالي، وهي شابة في الثانية والعشرين من العمر، ومتخرجة من "الجامعة الأميركية في بيروت": "نحن نسميها سندويش بطاطا. عندما نقول على بالي سندويش بطاطا، يعرف أصدقاؤنا أننا نشعر بالرغبة بالتدخين. نضحك كلّنا كلما نذكر التسمية وإن ما عدنا نسمّي الحشيشة سوى باسمها: سندويش بطاطا. في أجواء أخرى، اسمها "سعاد"، فيتصل جاد بأحمد ليقنعه بزيارته لأن "سعاد هون وهي كتير مشتاقتلك"، ويتصل أحمد بجاد ليسأله حول ما اذا كانت سعاد تحتاج الـ"تي شيرت" الذي أعارته إياه سابقا، أي إذا كان جاد يحتاج ورق سجائر للف سعاد. 

حاولت الدولة منذ حوالى خمسة أشهر تنفيذ حملة وقائية في بيروت بشكل خاص وقامت بالفعل بالقبض على عشرات الشبان الذين يتعاطون الحشيشة بصيغة شبه إدمانية وعلى الكثير ممن يروّجها بين الشباب، أي التجار والبائعين. واليوم، تنفّذ الدولة حملة شبيهة، في البقاع بشكل خاص، وألقت القبض على عشرات البائعين والتجار أيضاً، فهي زراعة ممنوعة.

يؤكّد سليم (27 عاماً) أنه "مبارح اشتريت بأربعين دولاراً. هيدي أول مرة بجيب بهالكمية". تنفّذ الدولة حملة جديّة، للمرة الثانية في خلال الأشهر الماضية، لمكافحة الحشيشة في لبنان.

يقول الشاعر: "بانت سعاد" (اي غابت).

تقول الدولة: "بانت سعاد" (أي غابت).

يقول سليم: "ما بانت سعاد"، وبأربعين دولاراً.

السفير


Script executed in 0.029608964920044