«إصابة مباشِرة»... عيد تحرير تأخر ربع قرن

السبت 23 أيار , 2015 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 931 زائر

«إصابة مباشِرة»... عيد تحرير تأخر ربع قرن

مَن أنتم؟

 استبدلوا أسماءهم بأخرى حركية، صاروا سمير وربيع ورشيد، نماذج عن رفاق مقاتلين ثوريين جمعتهم تربيتهم الوطنية البيتية أولا وألق المقاومة، ثانيا فانجذبوا الى الخنادق لقتال العدو المحتل وانتسبوا للحزب الديمقراطي الشعبي بأعمار ندية.

الأول وازَنَ بين دراسة علم الإجتماع في جامعة الفقراء نهارا، وبين الكمن للعدو في أودية لبعا وعين المير ومراح الحباس ليلا. 

سمير: (تعرفت على القتال في الخندق، كان اسمنا "متطوعون" ننطلق من صيدا اول المساء باتجاه موقع حزبنا في عين المير بواسطة جيب عسكري بعد تنبيهات من المسؤول: "الرفاق اللي قاعدين ورا أوعكن توجهوا بواريدكن على السيارات اللي وراكن، ما تنسوا إنتو طالعين عالمحور لتحموهن مش لتشوفوا حالكن عليهن).

لاحقا اصبح سمير يقود دوريات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على امتداد الجنوب المحتل، لمس سياج فلسطين في إحدى العمليات في بلدة راميا، وفي دورية أخرى مشتركة مع الحزب الشيوعي اللبناني في حولا فقد رفيقاً "زيد عبداللـه"  سقط امامه شهيدا وكانا وحيدان في تلك المهمة فأبى أن يتركه فقطع مسافة طويلة في الوديان، وصل الى المنطقة المحررة واستنجد برفاق وعاد معهم وسحبوا الجثمان.

أما الثاني فقد جاء للحرب من ورشة حدادة، لم يتغير عليه الكثير، هناك يطرشه ضجيج المطارق تلوي قضبان الحديد وهنا دوي المدافع والصواريخ من وعلى العدو. 

ربيع: (كانت عين المير بالنسبة لي كفلسطين، هنا احتلال وهناك كذلك، فكان لا بد من الإنخراط  في المقاومة، بدأت أحرس الموقع المقابل لقصر سالم، وانتهيت عضوا في المقاومة الوطنية). 

عضواً؟، هذا من تواضعه الثوري، ففي الحقيقة انتهى قائدا لدوريات المقاومة، وربيع هذا معروف عنه قدرته الجسدية وكان لا يكاد يرجع من دورية هجومية خلف خطوط العدو ضد موقع أو دورية اسرائيلية او لحدية حتى ليعود وينطلق في نفس اللحظة في دورية استطلاع جديدة.

أما الثالث فقد أتى من حفظ معادلات الحساب في المهنية الى مهنة الحرب والحراسات الليلية على التخوم. 

رشيد: (جئت من بيئة بيتوتية، وتمردت على التقليد وانتميت الى العسكر، وكانت رحلة صعبة لكنها مشرفة، بدأت بحراسة وكمين ودورية الى أن "صرت خرْج" فاشتركت بعمل المقاومة) 

هو نفذ عدداً من العمليات العسكرية في الجنوب، وفي آخرها وكانت مشتركة مع الجيهة الشعبية لتحرير فلسطين انفجر به لغم أرضي فبُترتْ ساقه وفقد إحدى عينيه، والندم لا يعرف طريقه الى روحه، وهو صار أباً تفتخر به عائلته وبناته..

جاؤوا من عالم وحّدهم فيه الوطن والفقر، انخرطوا في عالم العسكر ومستلزماته، صارت اهتماماتهم حربية وكذلك تعابيرهم، "خود حيطة وحذر" و"مَن هناك؟" و"كيف الوضع بطرفك؟" و"وصل العصفور" و"في طحشة ع يميني" و"طيران معادي بالأجواء" و"خبّي القسطل" و"بدي 3 هدايا عالتلة السوفياتية" و...

"إصابة مباشرة"

طوال تلك السنوات تمرس "الرفاق" في حفر الخنادق وبناء دشم الباطون المسلح في موقعهم، واختيار نقاط الكمائن الليلية، حتى أنهم وبفعل خطة التدشيم تلك لم يخسروا شهيداً واحداً من بينهم، مع العلم أن موقعهم كان يعتبر موقعاً رئيساً على تلك الجبهة. 

مع الأيام نشأت علاقة خاصة بينهم وبين مدفع سوفياتي صنع قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، هو  B 10، تمرسوا في الرماية والتسديد عليه، لا بل ابتكروا وضعيات جديدة للرمي فيه ربما لم تخطر ببال صانعيه، وضعوه قرب دشمة "الصُبّيْرة"، التي كانوا يصلونها أثناء زخات القصف المعادي بواسطة خندق حصين للغاية، كان الجميع يتناوب الرماية على موقع العدو المتمثل بقصر سالم المقابل في كفرفالوس على بعد 930 متراً.

قصر سالم كان حصنا لعملاء انطوان لحد وتزوره دورياً فرق من الموساد والجيش الإسرائيلي لإعطاء حاميته نصائح عسكرية لا سيما في طرق التدشيم والتحصين، "كان هذا الموقع من حصتنا طوال سنوات القتال الست، كنا "حاطين راسنا براسو" وهو أيضاً، وكنا نشاغله بالـ B 10  وصرنا محط استنجاد المواقع الحليفة في جيش التحرير الشعبي - قوات الشهيد معروف سعد والذي كنا أحد أطرافه الأساسيين، وكان الحلفاء يطلبون منا "التعامل" مع القصر لفك الضغط عنهم أو لتغطية أعمال تدشيم يقومون بها، فكنا نمطر القصر بقذائف الـ B 10  ونسكت مدافع دباباته ونيران رشاشاته الثقيلة، ونسمع على جهاز اللاسلكي عبارات الشكر من الحلفاء (أحستنم يا رفاق، إصابة مباشرة).

تأخروا ربع قرن

قبل أيام كان الثلاثة يستكشفون الجبهة التي "أكلت من إجريهن"، دخلوا القصر، وكانت المفاجأة التي جعلت الثلاثي يطير من الفرح، لما اكتشفوا كم كانت رمياتهم فعلاً "إصابة مباشرة"، عندما رأووا بأم العين اسطوانات العشرات من قذائفهم التي أطلقوها قبل ربع قرن ما تزال عالقة في جدران ودشم موقع العدو ومعها فْراشاتها، وكأنها تلك الأسهم الولادية التي تُرمى يدوياً لتصيب لوحة أهداف مرقمة،  لم تسعهم الفرحة، اولاً لأنهم عاشوا النصر من جديد، ثم لأنهم اكتشفوا ولو متأخرين ريع قرن أن إصاباتهم وتسديداتهم كانت دقيقة للغاية.

حاروا في أمرهم، أيَنزعون تلك الأسطوانات أم يتركونها شاهداً على بطولاتهم وبطولات رفاقهم؟ قرروا تركها، والعودة يوم عيد التحرير مع أولادهم ومع الرفاق ليحوِّلوا "الكنز" المكتشَف الى مصدر شحن للجيل الجديد وتكريس مبدأ "من يمتلك القناعة والإرادة يمتلك فرصة الإنتصار". 

كان ذلك قبل ربع قرن، من أنتم الآن؟

 يقول ربيع: "كنا مقاومين ولمّا نزل، وصرنا نربي على المقاومة، أجيالاً أخرى تواقة لتكرار تجربة القتال دفاعاً عن الوطن والناس، في ذكرى التحرير العام الماضي وبنفس تلك الروحية التي حفرنا فيها شبكة خنادق بطول مئات الأمتار، صنعنا بإتقان مجسماً لدبابة ميركافا 4 اسرائيلية حملت نفس مواصفات النسخة الحقيقية من حيث الشكل والحجم ودعونا الجمهور لتدميرها في ساحة الشهداء في صيدا، فلبى الدعوة أكثر من 1500 انسان وطني شريف صبوا جام غضبهم على رمز العنجهية الصهيونية وحولوها رماداً، إنه فعل مقاومة".

أي مقاومة؟

 سريعاُ يرد سمير: "لا نعيش أي حساسية أو عقد نقص كتلك التي يعيشها البعض تجاه مقاومة حزب اللـه ونرى في انتصارات الحزب انتصارات لنا، ومستعدون لأي تعاون ميداني وفق قدراتنا (المادية) المتواضعة، ونحن (الماركسيون اللينينيون) لا نخجل بالعمل كعتالة صواريخ وذخائر عند أي مقاوم يشهر السلاح بوجه العدو الاسرائيلي – الأميركي، فكيف بالأحرى عند هذه المقاومة التي أنجزت التحرير الذي كان لنا شرف الإسهام به مع غيرنا من القوى المناضلة؟ مع تأكيدنا على أن منطلقات المقاومة يجب أن لا تشوبها أي شائبة كأن تُحسب على طائفة أو مذهب أو حتى على حزب".

حتى الآن لم يستوعبوا أنهم جزء من قافلة أبطال تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي، ربما لأنهم لم يفلحوا في تحرير شعبه من الفقر والفساد والطائفية.

من ذكريات مقاومين وطنيين في عيد المقاومة والتحرير‏

Script executed in 0.82719492912292