امتحانات البريفيه: أسئلة مجانية في اللغة العربية

الإثنين 08 حزيران , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,103 زائر

امتحانات البريفيه: أسئلة مجانية في اللغة العربية

هاجس الرسوب الذي طاولت نسبته 73% في العام الماضي، ظلّل أجواء إعداد مسابقة اللغة العربية للشهادة المتوسطة هذا العام، فكانت النتيجة صياغة أسئلة واضحة لا لبس فيها إلى حد جعلها باهتة، مسطّحة، ودون مستوى الصف بالحد الأدنى.

هذا هو الانطباع العام الذي خرج به المشاركون في جلسة وضع أسس التصحيح، السبت الماضي، في قصر الأونيسكو. ردود فعل الأساتذة تفاوتت بين مرحب بالمسابقة على خلفية أن تلامذته الضعاف سيتمكنون من الإجابة عنها بسهولة وبين مستاء قال: «يا خسارة تعبنا، نُعد تلامذتنا لمستوى البريفيه فتأتيهم أسئلة بمستوى سابع أساسي». ومنهم من علّق ساخراً: «هيك مسابقة أحسن شوي من الإفادة».

يصف أحد المنسقين للمادة في التعليم الرسمي الأسئلة الثلاثة الأولى بالمباشرة والمجانية أو «البخشيش»، سائلاً: «هل يعقل أن يُسأل التلميذ، لمقاربة نص من نوع الرسالة، عن المرسل والمرسل إليه ومكان الإرسال وتاريخه وعن اسم القصة وبطلها والفئة العمرية التي توجهت إليها الكاتبة في قصتها؟». برأيه، لا يُفهم من ذلك سوى السعي إلى إنجاح التلامذة في ظل مناخ عام يدعو إلى تسهيل الامتحانات تماشياً مع ظروف البلد، وكأن المسألة هي حل مشكلة العلامات وليس مشكلة اللغة العربية. في مجال آخر، يقول إنّ بيت الشعر بسيط ويوضح الموضّح ولا يحتاج إلى جهد لمعالجته «ضاع الذي عبثاً يمضي بلا هدف/ وواثق أبداً من حدد الهدفا». أستاذ آخر رأى أن تسطيح الأسئلة قد يربك التلامذة بصورة عامة والمميزين منهم بصورة لكونهم تدرّبوا على مستويات أكثر صعوبة.

ولفت إلى أن معدي المسابقة لم يضعوا نصب أعينهم هدف تذوق اللغة والنقد الأدبي، بل كان المطلوب وضع أسئلة تتماشى مع كل مستويات التلامذة وتكون الإجابة عنها بصورة مختصرة لا تحاكي مهارات التفكير العليا والإبداع.

وبينما يطلب موضوع التعبير الكتابي من التلميذ أن ينشئ من الأفكار المطروحة أمامه قصة متماسكة مستخدماً الوصف والسرد، يتضمن «الباريم» الذي ستصحح على أساسه المسابقة، بحسب إحدى المعلمات، جملاً غير مترابطة لا تتوافق مع المعايير المعتمدة في النص السردي (مقدمة وعرض ونهاية). لا تنتظر المعلمة مسابقة عويصة، لكنها لم تكن تنتظر أسئلة سهلة تقود إلى علامات مرتفعة، ما يعكس خطأ في التقويم، لكون مستوى معظم التلامذة في اللغة العربية في لبنان متدنياً.

سيطرة فوبيا الاستسهال تصرف نظر التلميذ عن المادة

وحدها أسئلة القواعد نالت رضى البعض، نظراً إلى تنوع مفردات الإعراب (مثلاً) خلافاً للمسابقات الماضية.

وكان للخبير التربوي والمواكب لقضايا المناهج والامتحانات في اللغة العربية د. أنطوان طعمة ملاحظاته الدقيقة على المسابقة، فأشار إلى إن اختيار النص جيد وملائم للفئة العمرية الممتحنة لكونه يطرح مشكلة المطالعة، غير أن واضعي المسابقة أساؤوا استثماره لجهة تغليب الأسئلة التي تتناول الفهم والتطبيق المباشر وغاب عنها التفكير الناقد الإبداعي والتحليل بمعناه الحي، أي إن التحليل جاء باهتاً ومسطحاً وقد انطوت بعض الأسئلة على الجواب أو ما يوحي بطرف من الجواب.

يقول إنّ تسخيف الأسئلة والكتب باسم التيسير مذبحة مستمرة للغة العربية التي فقدت هويتها والطابع الإشكالي المتمثل بالتعلم لحل المسائل. الحوار بين الكاتبة اميلي نصر الله والمتلقي في مقدمة النص غلب عليه النمط التفسيري مع شيء من السرد، في حين أن الجواب عن الأسئلة كان يجب أن يكون متطلباً ويربط النص بنوعه الأدبي أي الرواية.

لا تبدو الأسئلة، بحسب طعمة، مفتوحة وتعكس شخصية التلميذ الجدي وهي لا تميز بينه وبين التلميذ غير الجدي. برأيه، جرت مقاربة المسابقة بروحية الخوف والهلع على قاعدة «خير لي أن اتهم بالتسهيل من أن اتهم بالتصعيب والتعجيز». هنا الآية معكوسة، كما يقول، ففي وقت يتوقع فيه من التلميذ أن يتعاطى بارتياح وانسيابية مع لغته الأم على عكس اللغات الأجنبية، تفقد هذه اللغة هيبتها وتسيطر فوبيا الاستسهال، فيصرف التلميذ النظر عن المادة التي لا يحتاج النجاح فيها إلى الاستعداد الجيد.

اللغة العربية تعاني أزمة عامة واستخفافاً من جميع المتعلمين المرشحين للامتحانات الرسمية، هذه العبارة تكاد تتردد على ألسنة أساتذتها والدارسين لأحوالها، فهل السبب الحقيقي لذلك هو الاختيار غير العلمي وغير الشفاف لأعضاء اللجنة الرسمية، ما يجعلهم أشخاصاً خاضعين للاعتبارات السياسية ينفذون تعليمات فوقية وليسوا أصحاب قرار؟ أم أنّ المشكلة في توصيف المسابقة نفسها؟ أم أنّ المسألة مرتبطة بمن هم الأساتذة الذين يدرّسون المادة؟ وما هي حقيقة مستوى الطلاب؟

امتحانات غير صادمة

بعد نشر «الأخبار» للملاحظات المتعلقة بأسئلة مسابقتي الجغرافيا والرياضيات في اليوم الأول للامتحانات الرسمية، تلقى المكلفون بمهام الارشاد والتوجيه في وزارة التربية رسالة مجهولة المصدر عبر خدمة «الواتساب» تمنع أي مرشد إعطاء رأيه بمسابقة معينة للصحافة في حين أنّ إدارة الإرشاد والتوجيه جاهزة لتلقي آراء المرشدين عبر الـ «email». الإدارة نفت لـ «الأخبار» أن تكون وقعت تعميماً رسمياً بهذا الشأن، إلّا أنها تتبنى مضمونه لكون القوانين المرعية الإجراء تمنع أي موظف في وزارة التربية من الإدلاء بأي رأي أو تصريح إلّا بعد الحصول على الإذن من مسؤوله المباشر.

وقد كان لهذه الرسالة المتداولة أثر سلبي كبير بين المعنيين بمادة البيولوجيا (علوم الحياة)، فرفض أكثر من أستاذ إبداء ملاحظاته بشأنها. واكتفى أحدهم بالقول: «بإيعاز من الوزير والمدير العام تم وضع امتحانات غير صادمة وغير تعجيزية تراعي كل الطلاب وتغطي الوقت والكفايات والأفعال الإجرائية».

فاتن الحاج

الأخبار - مجتمع واقتصاد

العدد ٢٦٠٩ الاثنين ٨ حزيران ٢٠١٥

http://al-akhbar.com/node/234962

Script executed in 0.045868873596191