«غسِّل وجَّك يا قمر»

الأربعاء 01 تموز , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,705 زائر

«غسِّل وجَّك يا قمر»

أجزم بأنَّ كثيرين من جيل الثمانينيات لا يزالون يتذكرون هذه الأغنية لريمي بندلي، التي عرفت رواجاً كبيراً في أوساط المجتمعات العربية بكلّ شرائحها. جميعنا يتذكَّر قصص المكتبة الخضراء (عفاريت منتصف الليل، عقلة الأصبع، والغيلان الخمسة)، والتي كان أحد والدينا، يطلّ محملاً بها بداية إجازة فصل الصيف، إن لم يكن نهاية كل أسبوع. مَن منَّا لا يتذكَّر مسلسلات كارتون (هايدي، بوليانا، صاحب الظل الطويل، وافتح يا سمسم).. هذه المسلسلات التي حفرت قيم الإنسانية عميقاً في وجداننا.

هذه هي الثقافة التي شكَّلت وعينا، والتي ولَّدَت منَّا فنانين، شعراء، رسامين، مهندسين، أطباء وأشخاصاً فاعلين في مجتمعاتهم.

وأنا أراقب ما يحدث في العالم الآن، وبعد سيطرة جماعات الموت التي هدَّدت بالفعل السلام البشري ووجود الإنسان، أتساءل: من أين هبط هؤلاء الذين يستطيعون الحرق والذبح والتفجير من دون أيّ تردّد؟ ما الذي جعل من السهل جداً السيطرة عليهم من قبل قياداتهم إلى هذا الحدّ، حدّ طمس الهوية البشرية؟

في التفجيرات الأخيرة، لاحظت أنَّ معظم مَن ينفذ العمليات الانتحارية هم من صغار السن، ما يُعدّ كارثة كبيرة في ما لو أخذنا في الاعتبار أنَّ التعبئة الدموية تتم عند أكبر شرائح الهرم السكاني العربي، أي عند الشباب والأطفال الذين سيرثون مستقبل هذه الأرض والأجيال القادمة. ربما كان هذا الجيل من أتعس الأجيال حظاً، إذ أصبحت ثقافتهم محصورة في رفاق مواقع التواصل الاجتماعي، والمسلسلات العنيفة الهابطة، التي لا يتذكَّر منها الشاب الصغير في اليوم التالي إلَّا أنَّ البطل نجا وقتل غريمه! الألعاب سواء أكانت إلكترونية أم مادية، لم تسلم من عبث العنف، فنرى انتشار كل أنواع الأسلحة في محلات الألعاب من المسدس إلى القنبلة التي يقضي معها الأطفال طوال اليوم. هذه الألعاب ترسّخ الحرب والقتل، من قاتل إلى مقتول إلى جاسوس! هذا بالإضافة إلى الخواء الإنساني الذي ولَّده انعدام الأنشطة، بما فيها الأسرية التي تدمج أطفالنا وشبابنا بفعالية وسط المجتمع.

قبل أيام بينما كنت أمرّ عائدة من السوبر ماركت، هزتني طفلة تصرخ (الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله) مرات عدة، وقد رسمت على وجهها علامات الفزع. حينما تركت ما في يدي راكضة إليها لسؤالها عما يجري، أكدت لي أنَّها تلعب مع شقيقيها وتصرخ مثل المرأة التي سمعت صراخها في المذياع قبل أن يقتلها الصاروخ.

هذه الحادثة بالتأكيد مثلها حوادث عديدة تحدث في كل العالم، وتساهم بفعالية مخيفة في تشكيل وعي الطفل ورسم أركان ثقافته ومعتقداته، خصوصاً في المجتمعات التي تغزوها وتنهكها الحروب، بعدما تخلَّت وسائل الإعلام وفشلت في الحفاظ على دورها الأخلاقي، وإلَّا كيف يُعقل أن يبثّ مثل هذا من دون وعي لتنبيه الأهالي بأن سيناريو مرعب سيُبث أو يُذاع؟!

مقاطع الفيديو التي نراها من دون إنذار مسبق أو تنبيه عبر التلفزيون، والصور التي تعرض من دون اهتمام بالمُشاهد الطفل، هي جريمة لن يغفرها الحاضر ولن يسلم من آثارها المجتمع. ولمواجهة هذه العوامل التي ستجعل من أطفالنا مخلوقات ضعيفة شخصياتها مريضة، مهزوزة وفاقدة للأمان، خصوصاً في الأماكن التي تمرّ خلال نزاعات مسلحة، لا بدّ لنا أن نخلق المساحة الأخرى المحبة للحياة، لنشكل سياجاً منيعاً ضدّ أيٍّ من الأفكار السوداء التي قد تحاول جرّ أطفالنا نحوها. فمن يعرف قيمة الحياة وجمالها، لا يمكن لأي أفكار مظلمة أن تسيطر عليه. الحياة بألوانها المشرقة لا تقبل أجراس الموت مهما اشتدت قوة رنينها.. لا شيء يهزم الحياة..

أنا أتساءل بالفعل متى كانت آخر مرة اشترينا فيها لأطفالنا علبة ألوان خارج متطلبات المدرسة، أو فتحنا أغنية لهم وغنيناها معاً.

أمام هذا الوضع الذي يستغلّ خواء الأطفال وعدم منح المجتمع لهم فرصة للتعبير عن أنفسهم، ماذا يسعنا غير أن نتوقّع جيلاً أكثر تشوّهاً ورعباً مما نراه الآن! إن لم نشجع أطفالنا على الرسم والمسرح والغناء ونزرع فيهم ثقافة الحياة عبر مشاريع حقيقية مدروسة، فلن نسلّم المجتمع سوى لمسوخ لن تقيم وزناً لأبسط القيم الإنسانية.. هذا هو التحدّي العظيم الذي يواجهنا كأفراد، مجتمعات ودول من الآن فصاعداً.

ميسون الإرياني 

السفير بتاريخ 2015-07-01 على الصفحة رقم 16 – الأخيرة

Script executed in 0.063371896743774