حسن بزي: قتلتينا يا عمتي!

السبت 11 تموز , 2015 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 19,989 زائر

حسن بزي: قتلتينا يا عمتي!

 

لا أزال اذكر تفاصيل حرب تموز وكأنّها البارحة. تسع سنين مضت وصور المعاناة قابعة في ذاكرتي. لا تفارق مخيلتي كلما رأيت عائلتي مجتمعة قربي في منزل شهد على قسوة قصفٍ وتهجيرٍ ودمار.

اسمي حسن بزي، في العقد الخامس من عمري. عشت حرب لبنان الثانية في العام 2006 في حي المحيريق في بلدة بنت جبيل الجنوبية. وصمدت مع عائلتي وجيراني لأكثر من اسبوعين تحت قصف الطائرات الاسرائيلية بعد أن تهدمت بيوتنا على رؤوسنا.

صباح الأربعاء في 12 تموز كنت في عملي حين أخبرني صاحب المنزل الذي أعمل فيه أنّ المقاومة الاسلامية أسرت جنديين اسرائيليين على الحدود مع فلسطين المحتلة. كان خبر سار أثلج قلوب الجميع، على الرغم من تخوفنا من توتر الأوضاع حينها بعد قصف جسر القاسمية ظهراً رداً على عملية الأسر.

لم ننم تلك الليلة من صوت المدافع تهز القرى المجاورة. وفي صباح اليوم التالي، الخميس، حضرت "البسطات" ككل يوم خميس لفتح السوق الشعبي الشهير في البلدة، قبل أن تصرفهم مخابرات الجيش وتقفل الطريق. وبدأ الوضع بالتصاعد، اذ قصفت مدفعية العدو بنت جبيل للمرة الاولى صباح يوم الجمعة "ساحة النبية" وسقط عدد من الشهداء والجرحى.

حتى هذه اللحظة لم نفكر بالخروج من منازلنا. اتبعنا التأنين بالأكل والمياه والمواد الأساسية بعد انقطاع التموين في البلدة. لم ينقطع التيار الكهربائي ولا ارسال الهاتف لأيام، قبل أن ننعزل تماما عن التواصل مع أحد.

ليل الجمعة في 14 تموز كان يوم الفرح لنا حين سمعنا سماحة السيد حسن نصر الله يعلن قصف البارجة الحربية الاسرائيلية في عرض البحر وقلنا حينها أنّ العدو أصيب بضربة قاسية وسيوقف الحرب فوراً، ولكن حصل العكس وبدأ التصعيد.

أرسل ابن جارنا "فان" الى بنت جبيل لإخراج  والديه من الحي. أصرّ علينا للخروج معه، لكنّ حكمة الله حالت دون ذلك وبقينا في منازلنا تخوّفاً من المجازر التي ترتكب بحق المدنيين العزّل على الطرقات.

بعد أيام على اشتداد حدّة المعارك، أصبح الخروج من المنزل مستحيلاً والبقاء فيه معجزة. انفردت بابني البكر محمد وجارنا خليل في غرفة صغيرة، وطلبت منهم للمرة الأخيرة تماسك أعصابهم. أخبرتهم بضرورة تمالك النفس اذا انجرح أحد منّا، والموت عندها أفضل من البقاء جريحاً لأننا لن نستطيع مساعدته. وكان لدي "عدّة" فلاّح خلف المنزل، أرشدتهم اليها وقلت لهم: "اذا حصل شيء لأحدنا، ويمكن أنا كون أول واحد، المنكوش هنا والمجرفة هنا وبكل أعصاب باردة بتحفروا تحت الزيتونة".

شهدنا على أيامٍ ضربت فيها خمسون قذيفة في الدقيقة الواحدة، وعشنا زلزال مستمر لأربع وخمس ساعات وليال متواصلة من العمليات الجوية والمدفعية. وفي فجر يوم 27 تموز، قصف المنزل بـ "قازان طائرة" وأصبت في وجهي عند الرابعة فجراً ولم استيقظ حتى الخامسة والثلث عند رؤيتي للضو.

كان أولادي قد انتقلوا الى بيت عمي المجاور لنا تسللاً عبر "التصوينة" الفاصلة بيننا، لكنّي لم استطع الخروج قبل تعزيل الردم من امام الباب الرئيسي لأكثر من ساعة ونصف لأنني مصاب.

عشنا مأساة كبيرة بكل ما للكلمة من معنى. 19 شخصاَ في غرفة صغيرة في الطابق السفلي لا تتعدى مساحتها ثلاث أمتارٍ مربعة حيث تحولت الآن لعيادةٍ لمعالجة النطق. وانقطعنا من المياه بعد تقطّع المواسير على السطح بفعل الشظايا والرصاص. وبحكمة الله تعالى، كان لدي 6 قناني مياه في البيت أحضرتهم شاحنة توزيع المياه قبل يوم من بدأ الحرب ولم نستعملهم حينها. هذه "القناني" اي ما يوازي 120 ليترا كانت السبب ببقائنا على قيد الحياة.

وفي اليوم نفسه، قُصف الطابق العلوي واحترق بالكامل، وقصف ايضاَ جزءٌ من الطابق السفلي الموجودين فيه لنبقى محتجزين في الغرفة حتى صباح اليوم التالي. وعند العاشرة صباحاً، كشفت طائرة تصوير تحركاتنا في المنزل نتيجة قيام عمتي برمي دلو مياه خارج الباب. قلت حينها كلمة واحدة "قتلتينا يا عمتي" وظبطت الساعة. 19 دقيقة وقصف المنزل بصاروخ ابتعد عنّا مسافة 40 سنتيمتراً واستقر في البئر المجاور لنا.

بما تبقى من أكل وشرب استمرينا بالصمود في المنزل. لكنّ الكارثة الأكبر كانت فقدان إبر "الأنسولين" تحت الردم لإبني أحمد المصاب بداء السّكري، وما استطعنا تنقيبه من تحت الركام كان بلا جدوى ولا فعالية لأنه لم يحفظ في البرّاد.

تحملنا المآسي والصعاب لأيام. اعدّت زوجة عمي الطعام بما تبقى لديها من تموين ووضعته على الطاولة لعدم وجود التبريد. وعندما نزل الصاروخ أصيب الباب وتطاير الزجاج على الأكل. لكنّا اضطررنا أن نأكل ونحن نشعر بالزجاج تحت ألسنتنا. ننتقي الزجاج من "اللقمة" ونكمل البلع لأنّه بكل بساطة لا يوجد شيء آخر لنأكله.

أعلن مجلس الأمن في اليوم التالي هدنة انسانية لبضع ساعات. قررنا حينها الخروج بعد ورود معلومات أنّ الهيئة العليا للاغاثة ستحضر شاحنات لنقل السكان المحاصرين. وكانت المرحلة الأصعب باقناع العائلة بضرورة الخروج من المنزل. عمتي عاجزة مسجّاة في السرير، واختها لن تخرج بدونها. عمي لا يستطيع المشي طويلاً وابنه مقعد لا يمكنه التحرك. وأنا مصاب أتحمل مسؤولية عائلتي واولادي وليس بيدي حيلة. وبعد التشاور، تم الاتفاق على الخروج حتى نصل الى نقطة للصليب الأحمر اللبناني ويعود ليأخذ عمي وعمّاتي.

نزلنا الى السوق نسأل عن الشاحنات التي وعدنا بها، فقالوا أنّه علينا التوجه مشياً الى مستشفى صلاح غندور على صفّ الهوا. وعند وصولنا الى المستشفى، وجدناه مدمراً خالياً الاً من طبيب وممرضة لا يملكون أي وسيلة للاتصال وليس لديهم اي معلومة عن كيفية نقل الناس. فاضطررنا لقطع المسافة من بنت جبيل الى مستشفى تبنين الحكومي مشياً على الأقدام اي ما يبلغ تقريباً حوالي 8 كيلومتر.

وبدأنا نلحظ هول الدمار من خلال الجور التي أحدثتها صواريخ العدو في الطرقات. ورأينا في احدى الجور دراجة نارية محترقة وعليها جثة صغيرة عرفنا فيما بعد أنّها جثة ابنة المدعو محمد الحوراني الذي كان هارباً على الدراجة قبل ان يستهدف بصاروخ.

وعلى طول الطريق الى تبنين، وفي بلدة كونين، أدركنا اطراف أناس تنذر بقوافل كانت تسير قبلنا على ذات الطريق. اكملنا المسير الى أن تعبت زوجتي ووقعت أرضاً. وبدأت سيارات الصليب الأحمر تصل الى المكان، فطلبوا منّي الصعود بالسيارة لسوء حالتي لأن الجرح في وجهي لا يزال مفتوحاً من دون تقطيب، لكنّي رفضت الصعود من دون أولادي.

وفي اول بلدة بيت ياحون، التقيت بأحد رجال المقاومة، القى عليّ التحية وطلبت منه ايصالي الى محطة البنزين على مدخل تبنين فاعتذر لارتباطه بعمل مع مجموعته. مضى "الشهيد المجاهد راني بزي" 30 متراً ومن ثم توقف، فظننت أنّه يقوم بزرع عبوّات جانب الطريق تحسّباً لأي اجتياح برّي. وما ان التفت حتى رأيته ينقل بعض الذخيرة من السيارة ويضعها في جعبة رفيقه الذي مضى في الوعر، وعاد الشهيد بزي وطلب منّي الصعود في السيارة.

صعد اولادي في "الرابيد" على صواريخ الكورنيت والذخيرة المعبّئة في الصندوق الخلفي وحشرت نفسي بجانب الشهيد. وفي طريقنا التقينا بعجوز تمشي على أيديها وأرجلها فساعدها اولادي ووضعوها في السيارة معنا. لكنّي لا ادري حينها كيف كانت تسير السيارة بكل الحمل الموجود فيها وكأنّها تحمل محرّك جرافة.

وما ان وصلنا الى مستشفى تبنين، حتى ادخلني الجيش اللبناني الى المشفى وعمل الممرضون على قصّ اللحم الميت في وجهي وتقطيب الجرح. ثمّ عادت زوجة عمي مع سيارة صليب احمر الى بنت جبيل لإحضار عمي وعمّاتي، لكن السيارة لم تستطع الوصول الى البيت لأن الطرقات مقطوعة. فالتقوا بفريق صحافي ساعدهم على الوصول واخراج العجزة من البيت وتم تصويرهم لاعداد فيلمٍ وثائقيٍ عن بنت جبيل فيما بعد.

وبعدها استأجر ابن عمي باصاً لنقل الركاب الى بيروت. وصلنا حوالي التاسعة والنصف مساءً حيث كان أخي بانتظارنا. كنت واقفاً أمام حيدر وهو يسأل عنّي ولا يدركني، وما ان عرفني حتى أغمي عليه.

بقينا حتى وقف اطلاق النار في 14 آب في بيروت، حيث أجريت عمليتين جراحيتين في وجهي ومنعت من التوجه الى المناطق المليئة بالبارود والرماد فلم أستطع العودة الى بنت جبيل حتى شهر أيلول. وبدأت معاناة جديدة من نوع آخر لإعادة بناء ما هدمته أيدي الشرّ وهجرت سكانه لأكثر من شهرين.

بتول بزي - مختار 

Script executed in 0.045927047729492