ندوة فكرية لجمعية الإمام الصادق (ع) لإحياء التراث العلمائي

الإثنين 03 آب , 2015 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,143 زائر

ندوة فكرية لجمعية الإمام الصادق (ع) لإحياء التراث العلمائي

الندوة التي أدارها رئيس جمعية منتدى الوحدة للتعاون الاجتماعي الشيخ عادل التركي، أفتتحت بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، ومن ثم كانت مداخلة لعضو المجلس المركزي في حزب الله سماحة الشيخ حسن بغدادي تحت عنوان "الشيخ مهدي شمس الدين ودوره في إعادة الحياة العلمية إلى جبل عامل"، أشار فيها إلى أن الشيخ مهدي شمس الدين كان جزءً من عائلة علمية كبيرة ومنتمٍ إلى حاضرة علمية في جبل عامل، كما أنه كان عالماً بشخصه ومساهماً في إعادة الحياة العلمية إلى منطقتنا بعد النكبة التي أصابتها على أيدي العثمانيين، لافتاً إلى أن آل شمس الدين يعود نسبهم إلى الشهيد الأول الشيخ محمد آل مكي الجزيني العاملي الذي قتله المماليك في دمشق، وأن الشيخ مهدي شمس قد درس لديه الكثير من علماء الدين وبعضهم أصبح من كبار الفضلاء في جبل عامل كالشيخ موسى أمين شرارة، مؤكداً أن الشيخ مهدي شمس الدين كان جزءً من حركة ساهمت في إعادة الحياة العلمية إلى جبل عامل بعد النكبة.

وفي الشأن السياسي شدد الشيخ بغدادي في ذكرى عيد الجيش اللبناني على أهمية مؤسسة الجيش الوطنية، لأنها حاجة لكل اللبنانيين دون استثناء، ويجب احترامها وتقديرها ولا يجوز المس بها، فهي تشكّل ضمانة وطنية جامعة، ونحن نشدّ على أيدي قيادة وضباط وجنود هذا الجيش، ونهنئهم بمناسبة عيدهم.

ولفت الشيخ بغدادي إلى أن الحكومة هي المعقل الأخير في مؤسسات الدولة، وليس من مصلحة أحد الذهاب إلى الفراغ، فهي الضمانة المتبقية في هذه المرحلة التي يجب أن يبقى فيها لبنان بعيداً عن تداعيات ما يجري في المنطقة، مشيراً إلى أن الوقائع قد أثبتت أن فريق 8 آذار هو الأحرص على البلد وعلى مؤسسات الدولة من الفريق الآخر، وحتى أن الشارع بات يدرك ذلك، فموضع النفايات قد كشف ذلك في الأيام الماضية، وحتى أن شارعهم الذي كانوا يظنون أنه طوع يمينهم بات لا يصدقهم، وجاءت مواقفه مخيبة لآمالهم.

 

بدوره رئيس إتحاد بلديات جبل عامل الحاج علي الزين وخلال مداخلته التي حملت عنوان "تأثير هذه المدارس على المنهج الثقافي في قرى جبل عامل"، شدد على أن العلماء يشكّلون محور ثقافة وجوهر المقاومة والنهضة العاملية بكل أشكالها، فهم حفظة المجتمع، وقد شكّلوا الدرع الثقافي والملاذ الآمن بمواجهة الغزو الثقافي والحروب والصراعات العسكرية والسياسية المحلية والأقليمية والدولية، واليوم لو فتشنا على سر قوة المقاومة العسكرية لوجدناها فيها الجذور الثقافية العاملية، وقوة مؤسسة الحوزة العلمية العاملية، مضيفاً أننا نحتاج اليوم إلى إحياء هذه الثقافة العاملية، وإلى إحياء تراث وسير العلماء ومناهجهم الثقافية وأخلاقهم العملية وأدوارهم الاجتماعية.

ولفت الزين إلى أن التحديات الثقافية الراهنة في عالم اليوم هي أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً من التحديات الثقافية في القرن الماضي، فنحن اليوم أمام غزو ثقافي وحرب ناعمة تدخل عبر تكنولوجيا الإعلام والإتصال بكل أشكالها الجاذبة والمتداولة، ويحاول هذا الغزو تغيير الأوضاع الاجتماعية والتأثير على المعادلات السياسية والثقافية لأهل جبل عامل والشعب اللبناني والمنطقة عامة، فللعلماء دور بارز في صدّ الموجات الغازية من خلال مدارسهم ومعاهدهم وتصديهم الإعلامي والسياسي للمقولات الثقافية الباطلة، ورعايتهم للمؤسسات الاجتماعية وتوجيهاتهم السياسية، وستبقى الحوزة الدينية السلاح الأكثر فعالية في منظومة الأمن الثقافي لجبل عامل، وهو ما يعكس قوة لكل أبناء المنطقة.

 

ومن ثم كانت مداخلة لرئيس لقاء علماء صور الشيخ علي ياسين تحت عنوان "أهمية الحضور العلمائي في تعميق التديّن والإصلاح الاجتماعي في مجدل سلم والقرى المجاورة"، لفت فيها إلى أن الشيخ مهدي شمس الدين كان واحداً من الذين أعادوا لجبل عامل زهوه من خلال تأسيس الحوزات العلمية في جبل عامل، مشيراً إلى أن بعضنا قد أدرك بعض الشيبة الذين عاصروا الشيخ مهدي في سن الصغر وهم كانوا معروفين بالتفقه الذي اكتسبوه من خلال معاشرتهم للشيخ مهدي وإبنه الذي كان عالماً وشاعراً، معتبراً أن دور العلماء في هذه المنطقة كان مهماً في تثبيت عقيدة الناس وبيان الموقف الصحيح من أيام الحكم التركي إلى الإحتلال الفرنسي إلى أيام الحكم الماروني إلى هذا اليوم الذي نعيش فيه عز الانتصارات التي هي نتجية وعي الناس ببركة علمائنا الذين كانوا فقهاء وعباد متفقهين.

 

 

 

مخلص بحث رئيس اتحاد بلديات جبل عامل الحاج علي الزين

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على رسوله(ص) وآله وسلم.

السادة والعلماء الأفاضل 

 الحضور الكريم 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

أود في البداية أشكر منظمي هذه الندوة التي تركز على محور إحياء تراث علماء جبل عامل، وأود أن أشيد بقوة بالنشاط الدؤوب الذي يقوم به مسؤول ملف احياء تراث جبل عامل سماحة الشيخ حسن بغدادي وحركته المباركة التي لها تسلسلها وتتابعها المنهجي والهادف .  

ان عنوان كلمتي وبحثي مركز على " تأثير المدارس الدينية على المنهج الثقافي في قرى جبل عامل " 

وكي أكون دقيقاً، احدد أطار البحث ومقاصده ، الذي هو مجموعة العقائد والأفكار والتصورات والقيم والسلوكيات الدينية والإجتماعية التي كان يحملها أهل جبل عامل في القرن الأخير من حياة السلطنة العثمانية أي القرن التاسع عشر الميلادي، والثالث عشر الهجري بتأثير من المدارس الدينية وجهود العلماء وخاصة دور العالم المرحوم الشيخ مهدي شمس الدين (قدس).  

وسيتركز كلامي على أربعة نقاط أساسية : 

النقطة الأولى: الإطار السياسي لمرحلة المرحوم الشيخ شمس الدين

تميزت هذه الحقبة ببعض الخصائص حسب وصف الأديب الأيراني محمد علي آذرشب في مقالته حول الأوضاع السياسية فـي جبل عامل في الفترة الواقعة بين منتصف القرنين التاسع عشر والعشرين ( ١٨٦٧ – ١٩٥٢ ) وهي الفترة التي عاش فيها الشيخ شمس الدين، من أنه خلال تلك الحقبة كانت البلاد تحت حكم الأتراك، وكان حكمهم قاسياً. إذ شتتوا الأهالي وفرقوا كلمتهم، فأدى هذا إلى تأخر منطقة جبل عامل ووقوعها فـي حالة من الفوضى والتأخر والظلم، بدلاً من أن تترقى وتصل إلى التنظيم والاستقرار..  ولم يكتف الأتراك بهذا الواقع. بل عمدوا إلى إبعاد الزعماء الإقطاعيين عن الحكم، وولوا مكانهم زعماء الأسر ، ومنحوهم صلاحيات واسعة، خاصة بعد صدور قانون الأراضي عام 1856 الذي احترم وشجع الملكيات الزراعية والعقارية الخاصة .

ولجأ الأتراك إلى سياسة "فرق تسد". إذ فرقوا بين الفئات الواحدة، وحرضوا الطوائف بعضها على بعضها الآخر. كل ذلك ليتسنى لهم السيطرة ، وقد بدأت الفتن الطائفية بين الدروز والمسيحيين منذ العام 1860 وبين الدروز والشيعة  عام / ١٨٩٤ /  أبرزها حادثة الخيام التي تحولت إلى فتنة دامية .  

النقطة الثانية : الواقع الاجتماعي والاقتصادي وأثره على المدارس الدينية 

لقد وضعت الحكومة العثمانية عام 1865 قانون التجنيد الإجباري ومدته عشرون سنة. ست منها تدعى عسكرية أو احتياط، وثمانٍ رديف وست مستحفظ. وكان يسمى ( القرعة المحمدية )، وفرضته على الطوائف الإسلامية، وأعفت منه الطوائف غير المسلمة. وكانت تتقاضى عن المسلمين ضريبة سنوية (عسكرية)، ووُضِعَ قانونٌ بقبول البدل النقدي فأعفـي نتيجة لذلك الأغنياء لتمكنهم من دفع البدل. 

وخلت الأسواق من ضروريات الحياة. إذ لم يحاول الأتراك جلب الطعام والدواء والملبس من الخارج، وارتفعت الأسعار ارتفاعاً جنونياً، وأنزل الأتراك إلى الأسواق عملة ورقية أول مرة فـي تاريخ البلاد(البنكنوت) وازدادت الحالة الاجتماعية سوءاً،  وتركت بصماتها وأثارها على الحالة الثقافية والتعليمية .

ويصف السيد محسن الأمين الوضع آنذاك وهو من تلاميذ الشيخ شمس الدين  قائلاً:" بعت جميع ما عندي من الحبوب المتنوعة فـي شقراء ومبلغه سبعمئة مد، بعتها جميعها بأبخس ثمن، كل مد بسبعة قروش بسبب نقل العيال والأولاد إلى دمشق. وبلغ ثمن المد بعد ذلك أربعة عشر ريالاً مجيدياً .

النقطة الثالثة :  الواقع الثقافي ودور المدارس الدينية في الثقافة العاملية

ومنذ العام 1846 بدأت الدول الأجنبية بإنشاء المدارس الخاصة والإرساليات التبشيرية المسيحية المستنسخة عن المدارس الأميركية والأوروبية، وكذالك الأمر بدأت الدولة العثمانية بإنشاء المدارس الرسمية للسلطنة المسماة أميرية، حيث قام العثمانيون بإصدار قانون المعارف العمومية عام 1869م، والذي وزع التعليم في المدارس الرسمية على ثلاث مراحل: رشدية وإعدادية وعالية، التي توازي المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية في أيامنا، وأنذاك بدأت  فترة الصراع الثقافي، وبدأ الغزو الثقافي للمنطقة. 

فقد نشأت المدارس الأجنبية في صور وصيدا وجزين ومرجعيون والخيام. وخاصة في القرى والمناطق ذات التواجد السكاني المسيحي.    

هنا وجد أعيان وعلماء جبل عامل ضرورة ملحة لمقاومة هذا الغزو الثقافي، وبدأوا بالتصدي له من خلال دعم العلماء في تأسيس المدارس العاملية الدينية رغم قلة الإمكانات بالقياس الى المدارس المنافسة. وكان الجمهور العاملي بغالبيته الساحقة من الأميين، الذين حرموا من حق التعليم .

وقد نأشت الكثير من المدارس العاملية أنذاك، وكانت مراكزها في شقراء وبنت جبيل وجبع والنبطية والكوثرية وحناوية وكفرة والنبطية التحتا وأنصار. 

ولعل الدور الاجتماعي والسياسي للمدارس الدينية من أهم الأدوار الى جانب الدور الأخلاقي. 

فكان للعلماء دور في تحصين المجتمع العاملي وابراز هويته القومية العربية، ولقد قام المرحوم الشيخ شمس الدين بدور بارز في تربية وتعليم الطلاب  وتخريج العلماء ليقوموا بالدور الذي نوهنا به ، وبالفعل برز من هؤلاء أسماء لامعة لعبت دورا مفصلياً لاحقا ومنهم العالم السيد محسن الأمين (قدس) الذي درس على يدي الشيخ شمس الدين في مرحلة من مراحل تعليمه .  

ولقد لعبت مدرسة الشيخ شمس الدين دوراً في تخريج جيل من العلماء ساهم في النهضة العاملية على مستوى الثقافة السياسية، وكان لطلاب مدرسة الشيخ شمس الدين دورا في هذه الأحداث . 

النقطة الرابعة:  الحوزات بين المنهجَ التقليدي والعصرنة الأكاديمية 

لكن لماذا لا يزال علماؤنا وحوزاتنا الدينية ترجح الى اليوم المنهج التقليدي على المنهج الأكاديمي الحديث ؟ 

الجواب يشير الى تمسك علماء جبل عامل بأصالتهم وهويتهم وهو سر بقائهم. 

السر في الإجابة على السؤال يكمن في الأصالة والهوية الثقافية التي تميز بها المنهج التقليدي، وحافظت على جبل عامل شامخاً رغم المحن والصعاب الجسام التي عصفت به طوال القرون السابقة، فهو منهج مجبول بعرق العلماء ومدادهم وسهرهم وتضحياتهم . 

فالتراث الذي تركه علماءنا، والمنهج الذي سلكوه ذخيرة ثقافية لا يجب تركها رغم كل التحديث الذي أصاب التعليم ومناهجه، وهذا ما ثبت اليوم في الواقع السياسي والثقافي، حيث أن العلماء والحوزات هي من خرج أجيال القادة والشهداء أكثر من غيرها وإشعاعها الثقافي والديني كان مصدرا للتأثير على أبناء المدارس وخريجي  المدارس والجامعات الحديثة. 

 ولو أجرينا احصاءاً ً اليوم  لوجدنا أن قادة مجتمعنا هم من علماء وخريجي الحوزات التقليدية . 

وبالمقارنة بين الأمس واليوم، لا شك في أن انتشار المدارس الدينيّة في لبنان وتطوّرها أدّى إلى تضاعف عدد علماء الدين الشيعة في غضون القرن الحالي، إذ تجد في البلدة الصغيرة الواحدة عدداً من علماء الدين، بينما كان الوضع في العقود السابقة مختلفاً إذ كان عدد رجال الدين قلّة وكانت تتمّ الاستعانة بعلماء من بلدات أخرى أو من العراق أحياناً لسدّ النقص . 

 

الخلاصة والختام : 

ان الدرس الذي نستفيده من هذه البحث الموجز ، هو  أن العلماء يشكلون محور الثقافة، وجوهر المقاومة والنهضة العاملية بكل أشكالها، وهم حفظة المجتمع، وقد شكلوا الدرع الثقافي والملاذ الآمن بمواجهة الغزو الثقافي والحروب والصراعات العسكرية والسياسية المحلية والأقليمية والدولية.  واليوم لو فتشنا على سر قوة المقاومة العسكرية لوجدناها فيها الجذور الثقافية العاملية، وفي العمق في صلابة وقوة مؤسسة الحوزة العلمية العاملية. 

واليوم نحتاج الى إحياء هذه الثقافة العاملية، ونحتاج إلى أحياء تراث وسير العلماء، ومناهجهم الثقافية وأخلاقهم العملية وأدوارهم الاجتماعية .  

فالتحديات الثقافية الراهنة في عالم اليوم أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً من التحديات الثقافية في القرن الماضي. فنحن اليوم أمام غزو ثقافي وحرب ناعمة تدخل عبر تكنلوجيا الاعلام والاتصال بكل أشكالها الجاذبة والمتداولة . ويحاول هذا الغزو تغيير الأوضاع الاجتماعية والتأثير على المعادلات السياسية والثقافية لأهل جبل عامل والشعب اللبناني والمنطقة عامة .  وللعلماء دور بارز في صد هذه الموجات الغازية، من خلال مدارسهم ومعاهدهم وتصديهم الإعلامي والسياسي للمقولات الثقافية الباطلة  ورعايتهم للمؤسسات الاجتمتاعية . وتوجيهاتهم السياسية .  وستبقى الحوزة الدينية السلاح الأكثر فعالية في منظومة الأمن الثقافي لجبل عامل، وهو ما ينعكس قوة لكل أبناء المنطقة .   

ان حياء تراث علماء جبل عامل ومدارس جبل عامل الدينية من اهم الاستراتيجيات الفعالة لصد الهجمات الثقافية الغازية والحرب الناعمة. ولا بد من تعزيز هذه الأنشطة ونشرها في عموم جبل عامل وتحويلها الى مؤسسات وبرامج جوالة وفعالة . 

وأخيرا أشكر لكم حسن استماعكم واهتمامكم   

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 

Script executed in 0.030673980712891