تقرير يحذّر من تدهور بيئي خطير في حال نُفّذ سدّ «جنة»!

الثلاثاء 04 آب , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,148 زائر

تقرير يحذّر من تدهور بيئي خطير في حال نُفّذ سدّ «جنة»!

المصدرالرئيسي لتغذية بيروت الكبرى، بكميّة من المياه تساوي 3 أضعاف ما هو مُرتقب تجميعه في بحيرة السدّ، مع توفّر البديل بشكل واضح عن طريق استثمار مخازن المياه الجوفيّة المُتجدّدة والمتواجدة على عمق بضع عشرات من الأمتار إن لم يكن بضع أمتار فقط وبكميات كبيرة ووافرة ضمن منطقة السدّ نفسها في جنّة – نهر إبراهيم...؛ كل ذلك وخاصة على ضوء دراسات هذا المشروع المغلوطة والناقصة التي لم تغطّ حتّى اليوم سوى ربع المساحة الإجماليّة، جعل المجتمع المدني المتابع في حال من الترقب والانتظار لما ستؤول اليه الدراسات المطلوبة ومنها دراسة تقييم الأثر البيئي وتحديداً دراسة قسم من البنود والملاحظات والتحفظات التي كانت وزارة البيئة قد وضعتها لمشروع السدّ في كتابها بتاريخ 5/11/2014 حيث يُستنتج منها 15 نقطة والتي من أصلها تم الطلب من شركة «جيكوم» دراسة خمس نقاط فقط؛ إضافة الى تثبيت طلب اجتماع الخبراء الذي تتمّ المماطلة بالدعوة اليه حتّى اليوم، تخوّفاً من مواجهة الحقيقة المرّة التي تتجسّد بكارثيّة هذا المشروع. كما لم يتمّ بعد تعيين مكتب اختصاصيّ مُصنّف للقيام بالتدقيق الفنّي المتعلّق بالسلامة العامة (المرسوم 7964/2012)!

وها هو تقرير الدراسة التي أعدتها شركة «جيكوم»، بناء لطلب من وزارة الطاقة وبموافقة من وزارة البيئة، قد صدر حول هذه النقاط الخمس والتي تشمل دراسة التأثير الايكولوجي، الإرث الثقافي، التنوع البيولوجي، الرسوبات النهريّة، كلفة التدهور البيئي ومناطق التأثير وخطر انهيار السد.

وجاءت خلاصة التقرير، بحسب ما يذكر المنسق العام للإئتلاف المدني الرافض لسد جنة رجا نجيم لـ «السفير»، لتحذر من تدهور بيئي خطير سينتج عن المشروع بكلفة تقدر أقلّه بمليار دولار للعشر سنوات المقبلة، علماً انّ هذا الإطار الزمني قصير جدّاً نسبة لـ «حياة» السدّ. وتشير توقعات الدراسة الى ازدياد تصاعدي في هذه الكلفة للسنين اللاحقة، هذا من دون احتساب التأثيرات غير المنظورة على النظام الايكولوجي (البيئي) نفسه نظراً لاستحالة قياس نتائج هذا المشروع وانعكاسه على أنواع مختلفة من الـ «فونا» والـ «فلورا».

وشمل هذا التقرير تحذيراً آخر من احتمال انهيار السدّ بسبب تحرّك زلزالي لأرضيّته ناتج عن تحميل في البحيرة لهذا الحجم من المياه (38 مليون متر مكعب) مع ما يمكن أن يؤدّي من فيضانات مُدمّرة وانهيارات للتربة والطمي والصخور الرمليّة وسواها، واصفاً هذه الأخطار بأنّها مُحتملة جدّاً وهي الأسوأ بنتائجها في ما يمكن أن يحصل في هذه الحال.

الرسوبات النهرية

في ما خصّ الرسوبات النهريّة، فقد اعتبر التقرير، بحسب نجيم، أنّ الدراسات المُتعلّقة بها لا يُمكن أن تكون كاملة وستبقى من دون أي مغزى حقيقيّ نظراً لمهلة الأربعة أشهر التعاقديّة (ثلاثة أشهر للكيول...) لتقديمها علماً أنه للقيام بهذا النوع من الدراسات بشكل صحيح ومُتكامل، مهلة الإثني عشر شهراً هي المهلة الضروريّة بأقل تقدير لتغطية كامل دورة تدفّق المياه السطحيّة، كما يحتاج ذلك الى إمكانيّات كبيرة من غير الممكن توفّرها ضمن الشروط الحاليّة، خصوصاً أنّه بالنسبة لمنطقة جنّة – نهر إبراهيم القسم الأكبر من الترسّبات تأتي من جرّاء الانهيارات والانزلاقات الأرضيّة وهي مُحتمَلة بشكل كبير للحصول طبيعيّاً على ضوء طبيعة أرض التلال المُحاذية، خاصة أنّ هذه الانهيارات يُمكن ان تجرّ معها أيضاً صخوراً رمليّة وسواها، فهذه الأرض الكارستيّة مُتحرّكة بشكل دائم (بطريقة مُشابهة لمنطقة القيسماني).

ويرى الخبراء أنّ ذلك سيحصل لا محالة، مهما كانت أهميّة الدراسات والإجراءات الاحترازيّة المُتّخذة لحماية السدّ وبحيرته، إذ يستحيل الوقوف في وجه الطبيعة ومُعاكسة الجيولوجيا التي «تأخذ حقّها بيدها» مع ما ينتج عن ذلك من مخاطر جمّة.

نقص في تقييم السلبيات

أمّا الفقرة الأخيرة من التقرير (الصفحة 361) التي تنصّ على أنّ هنالك حسنات من جرّاء تنفيذ هذا المشروع، فمن جهة لم يتمّ اعتماد مضمونها إطلاقاً ولا القبول بها من قبل شركة «جيكوم» التي أوضحت أنّ هذه المعطيات هي كما وردت من قبل «خطيب وعلمي» ومن جهة أخرى بما انّ هذا الأخير هو استشاري المشروع أي أنّه في وضع «تضارب مصالح» فكل ما يصدر عنه ليس سوى «رأي طرف» ولا يُمكن أن يُزان كأنّه «رأي حَكَم». إذن يجب إبطاله في سياق هذا النوع من التقارير المفروض ان يحتوي حصريّاً على مُعطيات من قبل مُستقلّين وخصوصاً «اختصاصيّين»... وفي جميع الأحوال ما تبقّى من تحفّظات وملاحظات من قبل وزارة البيئة بكتابها تاريخ 5/11/2014 يدحض كل ما صدر عن «خطيب وعلمي» أقلّه لعدم أحقيّة اعتماد هذه المُعطيات طالما لم يتمّ الحصول على موافقة وزارة البيئة عليها إن بطريقة مباشرة أو غير مُباشرة، ومنه يُلغي الى حينه إمكانية اعتبارها كمنفعة لمصلحة المشروع...!

فكان من الأجدى لو لحظ أيضاً هذا التقرير تفاصيل مُحتوى كتاب وزارة البيئة لكان حينئذ صحّح المسار وفرض توازناً مُفيداً وحقيقيّاً مع مضمون ما كُتب عن لسان «خطيب وعلمي» الذي لا يُمكن ان يُشكّل إطلاقاً أي «تعويض بيئيّ إيجابي» للأضرار الأكيدة والثابتة التي تمّ عرضها في هذا التقرير.

على ضوء ما سبق، واضح أنّ تقييم السلبيّات كما هو وارد في التقرير منقوص تماماً، فهو في الواقع يتعدّى بكثير مبلغ المليار دولار أميركي لكل 10 سنوات... خصوصاً أنّه يستحيل تحديد كامل مناطق التأثير المُحتمَلة للمشروع كما دراسة الكلفة الحقيقيّة للتدهور البيئي من دون أن يتمّ أيضاً دراسة الجيولوجيا والهيدروجيولوجيا، كما موضوع الاتصال الجوفيّ المُحتمَل ما بين منطقة نهر إبراهيم ـ جنّة ونبع جعيتا لكميّة حوالي 90 مليون متر مُكعب (كما أكّدت ذلك شركة BGR الألمانيّة).

من قراءة التقرير يتبيّن أنّ نقاطاً أساسيّة عدة يجب أن يتمّ طرحها، بحسب نجيم، وهي أيضاً لم تتضمّنها الدراسة الأخيرة للأثر البيئي، وتتمحور هذه النقاط حول مجموعة أمور، منها:

1 ـ نظام توزيع المياه لقضاء جبيل عن طريق ضخّها الى خزان «أدونيس» الذي يقع على ارتفاع 900 متر عن سطح البحر (كما قيل) أي أعلى بحوالي 100 متر عن مستوى السدّ، ومنه توزّع المياه بفعل الجاذبية على قرى وبلدات قضاء جبيل... حيث يبدو أنّ المعلومات والدراسات لم تتوفّر بعد وعندما يتمّ تحضير ملّفها من الضروري إعداد دراسة أثر بيئي خاصة بالأعمال المتعلّقة بها وإضافة تقييم الآثار البيئيّة الناتجة عن أشغالها الى نتائج التقرير الحالي.

2 ـ في ما خصّ نظام توزيع المياه لبيروت التي ستتدفق على طول نهر ابراهيم ومن ثم يتم تحويلها عند مستوى نبع «المضيق» عبر نفق وصولاً الى محطة التكرير في «الضبيه» ومنها يتمّ ضخها الى جنوب بيروت الكبرى. ممّا يدفع الى طرح سؤالين أساسيين لم يتم أخذهما بعين الاعتبار في دراسة تقييم الأثر البيئي:

أ ـ هل تمت دراسة قدرة محطة التكرير في الضبيه لجهة تحمل هذه الكمية الاضافية (30 ـ 90 مليون متر مُكعب)؟ وما هي الإجراءات الاحتياطية التي ستتخذ بهذا الخصوص؟

ب ـ ما هي الحاجة للسد في أعلى نهر ابراهيم مع تدفق المياه الى هذا النفق؟ نظراً لأنّه يمكن تجميع المياه مباشرة في أسفل النهر أو عن طريق وسائل أخرى بديلة؟

3 ـ في ما يتعلّق بمحطة الطاقة الكهرومائية التي سيتم تشييدها في «الشوان» على نهر ابراهيم بعد أن يكون قد تمّ جرّ المياه الضرورية لها عن طريق نفق انطلاقاً من موقع السد؟ من الواضح أن هذا القسم من المشروع حتّى لو لم يتمّ بعد تعيين المكان المُحدّد لهذه المحطة، سيُشكل خطراً على المحيط الحيوي للمنطقة المحمية لجبل موسى، كما على قلب الموقع الطبيعي المحمي لوادي أدونيس! وسيؤدّي ذلك الى تلوّث وتدمير مساحات إضافيّة شاسعة (أكثر من 15 مليون متر مربّع)، بالإضافة الى التلوّث الكهرومغناطيسيّ المُنبثق من خطوط التوتّر (لنقل وتوزيع الطاقة) وهذا التلوّث الذي سيُضحي حينئذ أكبر بكثير ممّا هو موجود اليوم بالنسبة لمحطات توليد الطاقة الثلاث...! ممّا سيُلغي نهائيّاً صفة «النظافة» عن هذه الطاقة الكهرومائيّة المُفترض إنتاجها (مع العلم أنه توجد شكوك كبيرة لإمكانيّة القيام بإنتاج الطاقة على نهر إبراهيم بعد تشييد هذا السدّ...!؟)

حجج ونتائج

بالإضافة الى كل ذلك يستنتج الخبراء من هذا التقرير الحجج والنتائج التالية:

] اختيار موقع نهر إبراهيم ـ جنة لتشييد هذا السدّ كان خطأ منذ البداية، لجهة الايكولوجيا والإرث الثقافي التراثي والتنوع البيولوجي. وأنّه كان من الأفضل عدم المسّ بهذا الموقع بالرغم من إمكاناته المُفترضة لتجميع المياه. وهذا ليس بأمر جديد إذ إن أهمية الايكولوجيا والتنوّع البيولوجي هي ثابتة ومجذرة منذ ملايين السنين وأهميّة الإرث الثقافي التراثي موجودة منذ آلاف السنين. وكان من الأجدى إلغاء استعمال هذا الموقع منذ الدراسات الأولية والتحضيرية المتعلقة بمشروع سد جنة.

] اتّضاح وجود شكوك من مراجعة هذه الدراسات الأولية والتحضيرية للسد، وذلك بالنسبة للتسرّبات المائية والملاءمة الجيولوجية واستقرار الأرض المتحركة خاصة في المنحدرات، كما بالنسبة للأخطار الزلزالية....

] إلزاميّة إدخال 3 وزارات بالإضافة الى وزارة الطاقة والمياه في ملاحقة هذا المشروع في ما خصّ الوادي ووضعه الطبيعيّ. وهذه الوزارات هي: وزارة البيئة لحماية هذا الوادي، وزارة الثقافة نظراً لطلب إدخالها لهذا الموقع ضمن التراث العالمي عن طريق UNESCO .

] بحسب مضمون المرسوم رقم 2366 / 2009 «الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة» والدراسات والمخطّطات المُرفقة به، نلاحظ أنّ تقرير «جيكوم» جاء بجميع تفاصيله مُطابقاً لها ومُبرّراً بشكل واضح وصريح بأنّ تصنيف منطقة نهر إبراهيم ـ وادي أدونيس كموقع طبيعيّ محميّ «بارك جيوغرافي» غير مسموح المسّ به، وهو يُشكّل «منفعة عامّة» لا يُعلا عليها،

لميا شديد

 السفير بتاريخ 2015-08-04 على الصفحة رقم 8 – بيئة

Script executed in 0.027807950973511