رغم الإهمال الرسمي مغارة كفرحيم... تفرض نفسها

السبت 08 آب , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 13,538 زائر

رغم الإهمال الرسمي مغارة كفرحيم... تفرض نفسها

يدعونها بشبيهة "جعيتا" وهي أكثر من ذلك، فكأنها شقيقتها الصغرى التي تشابهت مع شقيقتها الكبرى وتمايزت عنها في آن. اختارت لنفسها ذلك الجبل الذي تجذّر بالحضارة، لتشرف على غابات الصنوبر التي اضفت بدورها مسحة من الجمال الطبيعي على اطلالة المغارة، بينما لم تستطع فصول السنة الأربعة ان تكسر عنادها أو تليّن تمرّدها على المناخ وتغيّر درجة حرارتها الثابتة على مدار السنة.

جميلتنا هي مغارة "كفرحيم" الغافية على كتف اولى بلدات الشوف، التي تكونت عبر قرون من الترسبات والتآكلات الصخرية حتى باتت مشهدا تعجز الكلمات عن وصف جمالية تكوينه، وتقف الحروف حائرة امام عظمة المشاهد الاستثنائية، لتقع العبارات في عقدة ذنب التقصير في حق معلم من أهم معالم الطبيعة في لبنان.

 

داخل المغارة

مجرّد الدخول الى مغارة "كفرحيم" تنتقل الى عالم آخر، كان الزمن "الكلسي" كفيلاً بنحت تفاصيله على شكل لوحات فنية، وتستقبلك بشموع وثريات ربّانية، تراها إما نازلة من السقف وإما صاعدة من الأرض أو منبثقة من الجدران، ويلاحظ أن "الترسب الكلسي الموجود في كفرحيم هو نفسه في جعيتا"، الا انها لولبية الشكل، يتراوح عمقها ما بين 10و30 مترًا عن مستوى سطح الارض، وتتألف من عدة طبقات بمرتفعات مختلفة، ومن قاعات ودهاليز بأدراج لولبية، وتستغرق الزيارة داخل المغارة ما يقارب الـ30 دقيقة، وفي الطبقة الاخيرة تصل الترسبات الكلسية الى اوجها.

أما كلفة الدخول اليها فلا تتجاوز الـ15 الف ليرة لبنانية، مع وجود حسومات للعائلات وطلاب المدارس، كما أشار القيمون على المغارة. ومن ميزات "كفرحيم ايضا درجة الحرارة المعتدلة ما بين 18 و20 درجة مئوية، لا تنخفض ولا ترتفع على مدار السنة واختلاف فصولها، اضافة الى ان الزائر يدخل المغارة من باب ويخرج من باب آخر عبر درج لولبي ليصل الى "الأرتيزانا" وهي عبارة عن معرض حرفي يدوي، يتألف من مجموعة تصاميم من احجار كريمة وتحف خشبية، خزفية، فخارية، نحاسية وكريستالية، أغلبها من تصميم العائلة الشخصي (مالكة المغارة)، وهي تصاميم تفوح منها رائحة التراث والفولكلور اللبناني.

 

تاريخ المغارة

وعن تاريخ المغارة يتحدث أحد مالكيها الثلاثة، غسان بو خزام لـ"البلد" فيقول:"اكتشفت مغارة كفرحيم في 30 آذار1974، وقد شكل إكتشافها حدثاً إعلامياً وسياحياً بارزا، بينما يفوق عمر المغارة التكويني الأربعة ملايين سنة كما يؤكد الباحثون، وللاكتشاف قصة يرويها بو خزام "اكتشفت المغارة على اثر توسيع طريق كفرحيم بعقلين، حيث تبينت فجوة على جانب الطريق العام قطرها حوالى 80 سم، وبينما كان تلامذة المدرسة الرسمية يلعبون كرة القدم في مكان قريب من المغارة، وعلى اثر ذلك دخلت الكرة بالفجوة، ودخل الاطفال لالتقاطها من بين الصخور الكلسية الغريبة، ونقلوا هذا المشهد لمدرستهم، وعرف القيمون على المدرسة ان هناك ما يشبه مغارة جعيتا، وانتشر الخبر وعم ارجاء البلدة اثناءها، وعلى الاثر ذاع الصيت وكتبت احدى الصحف عن المغارة في 30 آذار 1974، وتناولها مجلس الوزراء آنذاك باجتماعاته، وكلف وزارة السياحة التقصّي عن المغارة، واعترفت الوزارة آنذاك بان الدولة غير قادرة على الدخول في مشروع تأهيلها وانه مشروع ليس على مستوى دولة بل على مستوى افراد".

جهود شخصية

يتابع بو خزام سرد حكاية تخلّي الدولة عن معلم طبيعي وسياحي بحجم "كفرحيم" بكل فصولها وصولاً الى التضحيات الجسام من العائلة وجهود 42 سنة من الاعتناء الشخصي بالمغارة حتى اصبحت على ما هي عليه اليوم "وبفضل بعض الأيادي البيضاء تم الحصول على ترخيص من وزارة السياحة لترميم المغارة وتأهيلها بما يلزم على نفقتنا الخاصة كي لا تبقى مكتومة القيد، وقمنا نحن بمقام الدولة وبتعبنا وجهدنا واموالنا الخاصة وضعنا على الخريطة السياحية اللبنانية مركزًا سياحيا مرموقًا، لا يحتاج اليوم اكثر من لفتة نظر من وزارة السياحة، فالناس انفسهم عبر مواقع التواصل وبعض وسائل الاعلام هم الذين ساهموا بالتعريف عن المغارة، ولكن الوزارة مقصرة في التعريف عنها".

 

انطباعات الزوار

 

أبهرت الاحجار الكريستالية زوار المغارة، وأغلبهم كانوا من السياح العرب، الذين عبروا عن قيمة هذا المرفق الطبيعي، وعلامات الاعجاب على وجوههم، تقول هبة من السعودية "سبحان الله... كل ما في المغارة مدهش، والأدهش تكاوينها الجغرافية المتمايزة بين طبقة وأخرى، وعن باقي المغارات التي من نوعها"، يوافقها الرأي أحمد من مصر، وبانبهار أكبر يقول "زرت الكثير من المغارات من قبل ولكن كمغارة كفرحيم لم أرَ، إضافةً الى اننا نستطيع ان نشرح للأطفال كيف تكونت الترسبات الكلسية عبر ملايين السنين بسهولة".

و لكل زائر فيها انطباعاته التي سترسخ في ذاكرته عن هذا المكان الذي أسموه بـ"الخيالي"، وبالنهاية سواء شاءت الدولة ووزارات السياحة المتعاقبة أن تعترف بهذا الإرث الذي منحته الطبيعة للبنان أم لا، فقد فرضت "كفرحيم" نفسها كمعلم سياحي مقصود، وتستمرّ باستقبال زوارها على الرغم من كل الازمات المتعاقبة على لبنان والتي أصابت مرافقه السياحية بالشيخوخة المبكّرة.

نهلا ناصر الدين

البلد

Script executed in 0.023767948150635