إستراتيجية وادي الحجير أساس المواجهة القادمة..

السبت 15 آب , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,237 زائر

إستراتيجية وادي الحجير أساس المواجهة القادمة..

عمر معربوني

وادي الحجير، بالإضافة الى أهميته العسكرية والجغرافية، هو موقع زادت رمزيته التي اكتسبها عبر مؤتمر الحجير الشهير عام 1920، خلال عدوان تموز 2006 عندما تحوّل الى مقبرة لدبابات الميركافا الصهيونية بفعل الضربات القاتلة التي وجهّها مجاهدو المقاومة اللبنانية لهذه الدبابات بواسطة تشكيلة متنوعة من الصواريخ المضادة للدروع، كان أهمها على الإطلاق صاروخ الكورنيت الروسي الذي حوّل ميركافا 4، أحدث الدبابات في العالم الى نعوش متحركة للجنود الصهاينة.

وعندما يقول السيد حسن نصرالله ردًّا على استراتيجية رئيس أركان الجيش الصهيوني غادي آيزنكوت "إنّ ردنا هو استراتيجية وادي الحجير"، إنما يقصد أنّ نتائج المواجهة القادمة التي ستكون على شاكلة الهزيمة التي تلقاها الجيش الصهيوني عام 2006 بشكل مضاعف ستؤدي الى زعزعة أركان الكيان الصهيوني وستشكل بداية نهايته.

من المؤكد أنّ المشهد العام الذي يمكن رسمه حول المقاومة، من السهل تصوره انطلاقاً من مسار البناء وطبيعة الأعمال القتالية والمواجهات خلال عدوان 2006، إضافةً الى الخبرات الكبيرة التي تكتسبها المقاومة في القتال على الأرض السورية، وهو مسار يشير الى أحجام مضاعفة بشكل كبير في العديد البشري ونوعية وكمية السلاح وطبيعة الخبرات المكتسبة في ادارة العمليات العسكرية. وعندما يطرح السيد حسن نصرالله استراتيجية وادي الحجير مقابل الإستراتيجية الجديدة للجيش الصهيوني، إنما يؤكد على ضرورة تحقيق هزيمة أكبر بالكيان الصهيوني كما حصل في وادي الحجير عام 2006.

وبشكلٍ سريع، سأقوم باستعراض أهم ما تسرّب من استراتيجية رئيس الأركان الصهيوني، أستعرض بعدها أحد أهم السيناريوهات للمعركة القادمة سواء في المواجهات الميدانية او الأسلحة التي سيتم استخدامها في المواجهة.

تعتمد وثيقة آيزنكوت في الاستراتيجية الجديدة على مصطلح "سلّم الأولويات" مع ترك عقيدة "بارليف" التقليدية، وهذا يعني بشكل واضح محاولة الإستفادة من تجارب المواجهة مع حزب الله وحماس خصوصًا انه سيكون على رأس سلّم الأولويات مسألة تأمين الحماية للسكان وهذه المرّة على كامل جغرافيا فلسطين المحتلة وليس في مكان محدد منها.

 

وما يشير الى اولوية الأمر هو المناورات التي ينفذها الجيش الصهيوني  منذ 2006 وهي تجري تحت اسم "تحوّل"، في إشارة واضحة الى تغيّر قواعد الإشتباك ومعادلات المواجهة بشكل كبير حيث لم يعد ممكنًا اعتماد استراتيجية بارليف القائمة على خط الدفاع الحصين بعد تنفيذ الإجتياح السريع خلال أيام وجيزة كما كان يحصل.

ففي تجارب المواجهة مع حزب الله وحماس، لم يستطع الجيش الصهيوني أن يحقق اندفاعات كبيرة خلال 33 يومًا في لبنان و52 يومًا في غزّة وتحوّل قواته الى مجموعات محاصرة ومعرضة لخطر التدمير بنتيجة الإحتكاك المباشر مع مجموعات المقاومة، وهو ما حصل على سبيل المثال لا الحصر في بنت جبيل وعيتا الشعب ومارون الراس والغندورية وفي أكثرمن مكان في غزة، وتبقى المعركة الأهم هي معركة وادي الحجير الغندورية التي استخدم فيها الجيش الصهيوني لواء مشاة ميكانيكي ولواء دبابات وكتيبة مجوقلة نفذت إنزالات من الجو خلف خطوط المقاومة، وعلى مدى يومين لم تفلح في تحقيق هدفها على محور صغير من الأرض بمواجهة قوات صغيرة من المقاومة، وكانت نتيجة المعركة تدمير عشرات دبابات ميركافا 4، وإسقاط حوامة "يسعور" مع كامل حمولتها من الجنود فوق وادي مريمين.

واستعراض الأمر يأتي للتأكيد أنّ ما حصل على محور وادي الحجير سيكون بالتأكيد هو نفسه على أي محور اقتراب للجيش الصهيوني وبفاعلية أكبر اذا ما حصلت المواجهة.

 

الأولوية الثانية برأي آيزنكوت ستكون لتدمير عشرات آلاف الأهداف، ما يعني استخدام قوة نارية هائلة عبر أسلحة الجو والمدفعية والبحر وهي بالتأكيد ليست أهداف عسكرية لعدم قدرة الإستخبارات الصهيونية لا سابقاً ولا حالياً على تحديد الأهداف العسكرية لا في لبنان ولا في غزّة، ما يعني أنّ الأهداف هي اقتصادية ومدنية بهدف إحداث الصدمة والرعب لخلق تحولات افتراضية يراهن آيزنكوت على حصولها في موقف الشعبين اللبناني والفلسطيني، وهوما لم يحصل سابقاً ولن يحصل في المستقبل بتقديري لأنّ القدرات النارية للمقاومة وصلت الى حدود باتت قادرة أن تشكل معادلة مختلفة، وهنا سأورد بعض الأمثلة على سيناريو شبه مؤكد لما سيكون عليه الأمر في هذا الجانب:

في العام 2006 كان مخزون صواريخ غراد بكل أنواعها، والتي يصل مدى بعضها الى 40 كلم برؤوس حربية لا تتجاوز17 كلغ، حوالي 12 الف صاروخ أطلقت المقاومة منها حوالي 1500 صاروخ أدّت الى تهجير مليون صهيوني الى وسط فلسطين المحتلة وأبقت كامل سكان المنطقة الشمالية الذين لم يغادروا في الملاجئ طيلة 33 يومًا، كما أدّت أيضًا الى توقف الحركة التجارية والصناعية ما رتّب خسائر كبيرة في الإقتصاد الصهيوني.

 

وبخصوص هذا النوع من الصواريخ باتت المقاومة تملك بحسب تقديرات غربية حوالي 150 الف صاروخ، ما يعني قدرة كبيرة على استهداف المنشآت وأرتال الجيش الصهيوني وطرق اقترابه الى جبهات المواجهة بشكل كبير، وإحداث حالة رعب وصدمة مضاعفة عما حصل في الـ2006 خصوصاً أنّ المواجهة القادمة ستكون شاملة وستطال كامل الجغرافيا الفلسطينية ما سيجعل كل الكيان تحت النار، وهو أمر ستحققه الصواريخ من فئة فجر التي يصل مدى بعضها الى 120 كلم برأس حربي يوازي 100 كلغ، وهي صواريخ كانت المقاومة في لبنان تمتلك العشرات منها فقط بينما هي اليوم بالآلاف ويمكن رميها من مخابئ تحت الأرض أو عبر منصات متحركة يمكن للمنصة الواحدة أن تحتوي على أربعة صواريخ، وهي صواريخ لا تحتاج وقتًا طويلًا لتحضيرها للإطلاق وسيكون لها دور كبير في إحداث توازن في معادلة الرعب القادمة، وهذا النوع من الصواريخ استخدم في حرب غزة الأخيرة وأثبت قدرته على اختراق أنظمة الرادار والأنظمة المضادة، وكلنا نتذكر أنّ المقاومة الفلسطينية وصلت الى مستوى تحديد توقيت الإطلاق والإعلان عنه مسبقاً لتحقيق اهداف في الحرب النفسية المضادة.

 

أما الأمر الذي سيكون الأكثر خطورةً على الكيان الصهيوني، فهو صواريخ فئة زلزال والتي تضم صواريخ من نوع فاتح 110 وأم 600 وبعض طرازاتها يصل مداه الى 400 كلم برأس حربي يقارب الـ800 كلغ، ومن المؤكد أنّ المقاومة تمتلك المئات من هذه الصواريخ وربما أكثر وهي الصواريخ التي ستضع تل ابيب وضاحيتها غوش دان والمنشآت الإستراتيجية والمطارات المدنية والعسكرية والمرافئ ومراكز القيادة والسيطرة وغيرها تحت النار، وتتسبب بخسائر كبيرة مادية وبشرية لن يكون بمقدور الإسرائيليين تحملها لفترة طويلة.

الأولوية الثالثة بحسب آيزنكوت هو الإعتماد على سلاح الجو بشكل كبير لتحقيق السيطرة من الجو، إضافةً الى تنفيذ عمليات الإستهداف وهو أمر لن يكون بحسب أمنيات آيزنكوت نظراً لقدرة صواريخ المقاومة على إخراج المطارات من الخدمة بشكل يؤدي الى خلل فادح في اداء سلاح الجو الصهيوني، إلّا إذا قام الأردن بدور المطار البديل وهو ما سيدخله في المواجهة بشكل مباشر وسيعرض مطاراته لضربات صواريخ المقاومة.

الأولوية الرابعة ستكون بالإعتماد على سلاح البحر، وهو أمر جربه الجيش الصهيوني في الـ2006 وأدى الى إخراجه من الخدمة بسبب تعرض المدمرة ساعر للإصابة بصاروخ c- 802، وهو أمر سيكون مضاعفًا عشرات المرات هذه المرّة بسبب امتلاك المقاومة لصواريخ أرض-بحر متطورة ومنها صاروخ ياخونت، إضافةً الى صواريخ الطوربيد المطاطية والغواصات الصغيرة ما يؤمن للمقاومة قدرة الإشتباك وتعريض قطع البحرية الصهيونية لخطر التدمير وكذلك الموانئ والقواعد البحرية.

 

الأولوية الخامسة هي الإستخدام الكثيف لألوية الدبابات وألوية المشاة المحمولة والقوات المحمولة جوًا، والعمل على أساس إحداث الخرق على محاور متعددة عبر الإقتراب المباشر والإنزال خلف الخطوط، وبتقديري أنّ خسائر الجيش الصهيوني وصدمته ستكون كبيرة وخارج أي توقعات في حال أقدم على هذا الخيار لتنامي القدرتين البشرية والتسليحية كمًّا ونوعًا للمقاومة، خصوصًا في القوات الخاصة ومضادات الدروع وسلاح الهندسة.

 

الأولوية السادسة هي العمل على وضع خطط لمواجهة احتمالات تقدم وحدات المقاومة باتجاه الجليل، وهي منطقة تعتبر امتداداً للجغرافيا اللبنانية وتشبهها الى حد كبير هضاباً وودياناً وممرات، وهنا اذا ما أجرينا مقارنة بين تنفيذ المقاومة لعمليات هجومية في القلمون ذات التضاريس الوعرة والارتفاعات الشاهقة وشبه الجرداء سيكون الموقف لمصلحة المقاومة في الجليل نظراً للتضاريس الأبسط والمليئة بالأحراش، وهو ما سيؤمن ميزة التمويه والتخفي وتنفيذ اقتراب مباشر أكثر أماناً سواء بالنسبة للمقاتلين أو أسلحتهم المتوسطة والنوعية كالقناصات الثقيلة والأسلحة الصاروخية المضادة للدروع، إضافةً الى إمكانية زج راجمات غراد محمولة بضعة كيلومترات داخل الجليل ما سيزيد مدى الاستهداف والفاعلية.

تطور آخر طرأ على قدرات المقاومة وهو الطائرات بدون طيار بطرازات مختلفة وبعضها مزود بصواريخ موجهة والآخر يمكن برمجته وإرساله بشحنات متفجرة الى أهدافه بدقة كبيرة، وبعض المصادر تقدر عدد هذه الطائرات بالمئات وربما أكثر.

باختصار شديد، الإستراتيجية القادمة ستكون مبنية على معادلة الصدمة والرعب وعلى الحرب الإعلامية والنفسية، إضافةً الى قوة النار الهائلة التي ستستخدم في ميدان المواجهة وفي الجبهات الخلفية.

*ضابط سابق (خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية).

 

سلاب نيوز

Script executed in 0.02718186378479