الفصائل تتبادل التهم والمسؤوليات/ مخيّم برج البراجنة: الموت صعقاً يحصد الأهالي تباعاً

الإثنين 17 آب , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,729 زائر

الفصائل تتبادل التهم والمسؤوليات/ مخيّم برج البراجنة: الموت صعقاً يحصد الأهالي تباعاً

كان أحمد في المستشفى بحال الخطر. في اللحظة التي قال فيها سفير فلسطين في لبنان إن اللجنة المكرِّمة ستقصده لتكرِّمه على سريره، رن هاتف جار أحمد في المخيم أحمد أبو زهدي. وما إن سمع أبو زهدي الخبر حتى سقط هاتفه من يده: مات أحمد.

«استشهد» صعقاً بالكهرباء التي قتلت في السنوات الخمس الأخيرة 49 غيره في مخيم برج البراجنة وحده، وفق ما يؤكّد أمين سر اللجنة الشعبية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مخيم البرج حسني أبو طاقة لـ «السفير».

أحمد هو شهيد الإهمال الرقم 36 في السنتين الأخيرتين، الذي تقتله تمديدات الكهرباء في البرج.

لكل المخيمات الفلسطينيّة في لبنان سماء واحدة، وحده مخيم برج البراجنة في بيروت فُرِضت عليه سماءان. واحدة للعامة من سكان الأرض، وأخرى من أشرطة الكهرباء والإنترنت و «الأطباق اللاقطة» ومعها أنابيب المياه العشوائية.

أنهى أحمد واجباته كافّة قبل أن يودع الحياة المرّة التي عاشها كما أقرانه في مخيمات اللجوء الفلسطيني. نجح في الشهادة الرسمية بتفوّق.

قتلته الكهرباء يوم الجمعة في الأسبوع الأوّل من شهر آب الجاري، لتحول بينه وبين الذين كانوا ينتظرونه في اليوم التالي، السبت. يومها، كان من المفترض أن يذهب مع مجموعة من المتطوعين إلى قلعة الشقيف في جنوب لبنان. هناك كانت تنتظره مجموعة من ذوي الحاجات الخاصّة لمساعدتهم كعادته في مخيمهم. وهناك، اعتاد مزارعو الجنوب على ساعديه السمراوين يجني معهم حصاد القمح.

في تشييعه، سار المخيم كلّه وراء جثمانه، فيما كانت أمّه تحضن شهادته ودرعه التكريمية. حضر بعض من كانوا ينتظرونه غداة رحيله، واعتادوا حماسه وانخراطه في الخدمة العامة، وحمل بعض المزارعين أغماراً صغيرة من السنابل وضعوها على قبره.

ولكن استشهاد أحمد لم يمر «مرور الكرام». أحمد الذي كان يصلّح دراجته النارية المركونة تحت علبة الكهرباء، توقف قلبه في اللحظة التي رفع فيها رأسه فصعقه «الكابل» العاري بقوة 150 «فولت». في تلك اللحظة، وما إن شاع خبر إصابته، وبعدما نجح الفريق الطبي في مستشفى حيفا في المخيم بإعادة الحياة إلى قلبه، خرج معظم أهالي مخيم البرج في تظاهرة منددة بإهمال المخيم وتحديداً بترك ملف الكهرباء على حاله على الرغم من تسببه باستشهاد نحو 50 شخصاً من صغار السن وكباره.

ومع التظاهرة سرت في المخيم معلومة تفيد باعتكاف أمين سر اللجنة الشعبية التابعة لفصائل التحالف في مخيم البرج يوسف مرعي (أبو بدر).

مجموعة من شباب وشابات المخيم الذين كانوا عصب تحرك الأهالي استكملوا الحراك المطلبي بسلسلة اجتماعات ولقاءات رافعين شعار» كفى فساداً». نجح الشباب، كما يقول أحمد أبو زهدي، في «تحييد حراكهم عن التجاذبات السياسية في المخيم، رافضين تحميل دم أحمد لشخص بذاته، فدمه مسؤوليّة منظومة التعاطي مع قضايا المخيم».

ووفق أبو زهدي، انبثق عن الحراك تشكيل «خليّة أزمة» وضعت مطالب أساسيّة تصدَّرها توحيد اللجنة الشعبية في المخيم، بالإضافة إلى مطالب خدماتية أخرى. ويوجد في مخيم برج البراجنة لجنتان شعبيتان: الأولى تسلمت شؤون المخيم مع إبعاد منظمة التحرير، أيام الوجود السوري، إلى شمالي الليطاني، والثانية التابعة لتحالف الفصائل تسلمت مخيمي البرج وشاتيلا منذ العام 1988.

يقول أمين سر اللجنة الشعبية التابعة للتحالف يوسف مرعي (أبو بدر) إن «اللجنتين الشعبيتين في المخيم غير رسميتين» وبالتالي «لا مرجعية في المخيم منذ العام 2004، تاريخ عودة منظمة التحرير إلى مخميات بيروت وتشكيلها لجاناً شعبية رديفة».

هذه «اللامرجعية» هي التي اصطدم بها الحراك المدني في المخيم، ومعها ضاعت المسؤوليات.

تراجع؟

اليوم، يقول أحمد شحادة، الذي كان يتحدث باسم «خليّة الأزمة»، إن «الحراك قد همد»، معيداً السبب إلى «التدخلات السياسية التي أجهضته». يقول شحادة إن «الإحباط أصاب الشباب الذين سعوا إلى تصحيح الوضع الخدماتي وحياة الناس»، معبِّراً عن مفاجأته ببدء «انسحاب بعض الناشطين الواحد تلو الآخر»، ليقول «بالنسبة لي لم يعد هناك خليّة أزمة».

وكان ابو زهدي قد أشار إلى بدء حوار بين اللجنتين الشعبيتين في المخيم لتوحيدهما في لجنة واحدة، في حين أكّد أمين سر اللجنة الشعبية التابعة لمنظمة التحرير حسني أبو طاقة لـ «السفير» أن «لجنتنا مستعدة للتعاون مع جميع الأطراف لما فيه مصلحة المخيم»، مؤكداً استعدادها «لتحمل مسؤولية ملف الكهرباء بكل تبعاته من اللحظة التي تتسلم العمل رسمياً».

ونفى أبو طاقة مباشرة أي اجتماعات حوارية مع لجنة فصائل التحالف في المخيم لأن «قرار توحيد اللجنة يأتي على مستوى القيادات السياسية الفلسطينية العليا في لبنان، وليس على مستوى المخيم».

مطالب

يتقاطع كلام أبو طاقة مع ما يقوله أمين سر لجنة التحالف يوسف مرعي الذي يعبِّر لـ «السفير» عن إحباطه هو الآخر من مجمل تعاطي «الفصائل الفلسطينية كافة مع المخيمات في لبنان»، مطالباً جميع الأطراف الفلسطينية بالوقوف على احتياجات فلسطينيي المخيمات «إذ لا يجوز أن نكون وقوداً لخلافاتهم ويديرون الظهر عن إدارة شؤون الناس الحياتية والخدماتية».

وقال مرعي إن اللجنة الشعبية التابعة لفصائل التحالف ليست رسميّة كونها غير موثقة عند الدولة اللبنانية، مشيراً إلى أن اللجنة سعت لدى الصليب الأحمر وإحدى المنظمات الإيطالية لتنفيذ مشروع يحل مشكلة الكهرباء في مخيم البرج «لكننا اصطدمنا بضرورة جعل اللجنة الشعبية رسميّة لتتمكن من عقد اتفاقية مع شركة كهرباء لبنان، وهو ما لم يحصل حتى الآن».

وأكد مرعي تأييده لتوحيد اللجنة بين الفصائل الفلسطينية كافة لما فيه مصلحة المخيم «وهذا ما يبدي الجميع استعدادهم له ولكنهم لا يلتزمون به على الأرض، وأنا أتكلم هنا عن كل الفصائل من دون استثناء».

ونفى مرعي أن تكون لجنة التحالف تجبي 75 مليون ليرة في الشهر من قاطني المخيم عن الكهرباء، مشيراً إلى ان جل ما تجمعه «هو خمسة آلاف ليرة عن كل عشرة أمبير للصيانة فقط، وليأتوا ويكشفوا على حساباتنا، وليسألوا عن الممتنعين عن الدفع وعن قبضايات المخيم».

ولفت إلى أن «الأونروا» متنصلة منذ الستينيات من مسؤولية الكهرباء في المخيم، بعدما التزمت بتأمين المياه لأطفاله فقط في ملفي الكهرباء والمياه.

ويقول أحد سكان المخيم، وبعد استعراض المواقف، إن فلسطينيّي مخيم البرج على ما يبدو محكومون بالقتل بالكهرباء ما دامت فصائلهم وقواهم السياسية تعتبر أن حقّهم في الحياة هو آخر أولوياتها، «وكونهم غير مستعدين للتحاور والوصول إلى اتفاق يحلون عبره هذه المشكلة القاتلة»، ليتابع ساخراً «وعليه أملنا كبير أنهم سيحررون فلسطين قريباً جداً».

هل من أمل في أن تكون روح أحمد الكساب قد افتدت غيرها في المستقبل من ضحايا الإهمال القاتل، الذي لا يبدو أن هناك أفقاً لنهايته حتى الآن؟.

سعدى علّوه

السفير بتاريخ 2015-08-17 على الصفحة رقم 4 – محليّات

Script executed in 0.028244972229004