تفاح بسكنتا يقاوم الحريرية

الأربعاء 26 آب , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,426 زائر

تفاح بسكنتا يقاوم الحريرية

تتمعن عيناه في تفاحة لا يضاهي لونها خضرة عينيه، فيقطفها ويرميها أرضاً متابعاً «تعزيل» بستانه من التفاحات التالفة: «لو عنا صناعة زراعية كنا حولناهم نبيد بدل ما نكبهم». يمسح المزارع بشير العلم العرق عن جبينه، متكئاً على الشجرة التي كان يفترض أن تعيّشه كما عاش والده: «بياتنا يقطفوا بالصيف ويناموا بالشتي، نحن اليوم ما فينا نتكل على خيرات الأرض بس».

بعد التوت ودوده، أسهمت أشجار التفاح في تشكيل ما كان يعرف بـ»الطبقة الوسطى» في أرياف جبل لبنان. وهي درّت الأموال على أهالي الجبل. الأمر الذي لا يدركه الجيل الجديد مع محاولة الرأسماليين تشويه صورة الزراعة في رأسه وتصويرها مهنة للفقراء والأميين.

وفي إحدى مناطق جرد بسكنتا التي تسمى «المحروقة»، يحاول العلم الصمود في أرضه بعدما تخلى نصف مزارعي المنطقة عن أراضيهم، فارداً يديه المشققتين ليبدأ العدّ: 1ــ لا مساعدات من وزارة الزراعة، والدولة لا تسأل عنا. 2ــ أدوية الأشجار مكلفة، وما تلقيناه قبل عامين من الوزارة لم يكن مفيداً لمعالجة الأمراض التي تصيب الأشجار. 3ــ لا مشروع لبناء برك أو بحيرات ريّ فنعمد إلى إنشائها على قطعة من أرضنا كان يفترض أن نستفيد منها! 4ــ مشكلة تصريف البضاعة: أتلفنا العام الماضي قسماً منها والقسم الآخر «انباع بالبلاش» لعدم وجود سياسة دعم زراعية واضحة.

5ــ لا غرف زراعية خاصة بالمزارعين في المناطق تتولى توزيع المساعدات بنفسها وتؤمن لنا ضماناً اجتماعياً وبطاقة زراعية لتتحول الزراعة إلى مهنة يمكن صاحبَها العيش منها.

عام 2004 حاول وزير الزراعة السابق حسين الحاج حسن فصل غرف الزراعة عن الصناعة والتجارة عبر مشروع قانون رفض الحريريون إمراره. وهو الاقتراح نفسه الذي أعاد إحياءه النائب نبيل نقولا في عام 2009 عبر تقديمه إلى مجلس النواب من دون أن يلقى أي صدى يذكر. هكذا بقيت الزراعة مهنة غير معترف بها ولا تخوّل صاحبها الاستفادة من الضمان الاختياري لأن واحدة من أهداف الحريرية السياسية منذ التسعينيات كانت ولا تزال ضرب القطاع الزراعي. «لما يجي الصبي ويشوف الغلة ما عم تكفي بدو يلعن الأرض ويروح يفتش ع وظيفة»، يقول المختار الياس الخوري حنا وهو واحد من مزارعي بسكنتا، رصيده ألف صندوق تفاح سنوياً.

غير أن الغلة النهائية لهذه الصناديق «لا تردّ سعر الكلفة ما بين رشّ وأسمدة وفلاحة وتنقاية، والحل في أن تمنع الدولة استيراد التفاح من الخارج»، وهو ما يعيد النقاش مجدداً إلى الحريرية السياسية التي ابتدعت ما يسمى «الروزنامة الزراعية» التي تشرّع استيراد البضاعة من دول كمصر وأميركا والصين والسعودية في موسم قطاف المزارعين وبأسعار أقل. ذلك كافٍ لضرب موسم التفاح وغيره، وهناك من يشير إلى أن الهدف من تلك السياسة يتخطى الزراعة ليطاول مسألة إفقار الضيع والجرود، وحثها على ترك أراضيها والنزوح نحو ضواحي بيروت لتشكيل أحزمة بؤس يستغلها السياسيون وفقاً لأجنداتهم. «الفلاح المكفي سلطان مخفي»، يقول المختار المزارع منير حبيقة، قبل أن يضيف: «بس اليوم عم بيفقرو لأن إذا بقي مكتفي بضيعتو ما رح يحتاج حدا».

لم تترك الحريرية وسيلة لطرد المواطنين من قراهم وتهجير المزارعين إلا اعتمدتها

قديماً كان تصدير التفاح يسلك ثلاث وجهات: مصر، الأردن وليبيا. وهذه الوجهات الثلاث مقفلة اليوم. أما آخر مسؤول اهتم فعلياً بالتفاح، فكان الرئيس كميل شمعون، بحسب العلم. لكن اليوم، يستعيد المختار حبيقة الكلام: «ينافسنا الصينيون بتفاحهم في عقر دارنا، فيما يغزو التفاح الإسرائيلي العالم. وهكذا يشير المختار إلى أن «جنينة» والده التي تعلّم وأشقاءه في المدرسة من ثمارها، لم تعد تردّ اليوم كلفة الاهتمام بها. من جهة ثانية، لا يحسّ المزارعون بأن وزارة الزراعة أو الوزير أكرم شهيب معنيان بأحوالهم: لا مساعدات كما في عهد الوزير حسين الحاج حسن، ولا هبات أو مشاريع محفزة. أضف إلى ذلك أن المساعدات، إن وجدت، تذهب إلى تعاونية وحيدة موجودة في بسكنتا توزعها بموجب لوائحها الخاصة التي لا تشمل كل المزارعين. في عهد الحاج حسن، اكتُشف الأمر وبدأ العمل على إحصاء جديد تصدر بموجبه لوائح جديدة، إلا أن «عهده انتهى وشهيب يمضي نهاره بتوقيع رخص استصلاح أراضٍ».

الشرط الأول لإعادة المواطنين إلى قراهم هو الاهتمام بالمزارع، والجولة في المحروقة وصنين بين الأراضي المتروكة من أهاليها يظهر واقع الزراعة المزري؛ فضلاً عن الإمعان في ضرب المزارعين وإنهاكم عبر إلزامهم بدفع رسوم التركات التي لا تشجّع العديد من الورثة على تسجيل صكوك ملكيتهم لدى الدوائر الرسمية: «عم ننجبر نبيع شقفة من الأرض لنعمل نقل ملكية للولاد».

الأحزاب السياسية غائبة كلياً عن مزارعي الجرد: حزب الكتائب ينظم المحاضرات للمزارعين في مركز بكفيا، فيما وزّع التيار الوطني الحر عليهم المطاعيم السنة الماضية وأسمدة زراعية لم يتمكنوا من الاستفادة منها بعد أن تبين احتواءها زجاجاً بسبب سوء فرز النفايات. أما القوات والنائب ميشال المر وغيرهما من الفعاليات فغائبون بالكامل.

مع ذلك، هناك من لا يزال يؤمن بالزراعة: الشاعر الشاب مرسيل مدور استأجر قبل عام أرضاً في الشخروب ـ بسكنتا، كان يقطنها الشاعر ميخائيل نعيمة كي يهتم بزراعتها. أما ملخص تجربته، فيصفه كالآتي: «لما الزرع يكون في عندو مناعة، بيدرّ علينا وبيضل حامينا، ولما الشعب يكون عندو قناعة، إنتاجنا بلا تصدير بيكفينا. لكن يا خسارة بالزراعة مهما تعبنا وركضنا وشقينا، ما في نتيجة إذا وزارة الزراعة وأكرم شهيب ما تطلعو فينا».

رلى ابراهيم

الأخبار - سياسة

العدد ٢٦٧٥ الاربعاء ٢٦ آب ٢٠١٥

http://al-akhbar.com/node/240791

 

Script executed in 0.044879913330078