إيلان نائم على الشاطئ: «صورة تسائل جبننا»

الجمعة 04 أيلول , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,887 زائر

إيلان نائم على الشاطئ: «صورة تسائل جبننا»

«ابن أحدهم»، عنونت «اندبندنت» البريطانيّة، على صدر صفحتها الأولى، أسفل صورة إيلان كردي (3 سنوات)، الطفل الذي عرفه العالم جثّة على شاطئ بودروم التركية، أمس الأوّل. سألت الصحيفة: «إن لم تغيّر صور هذا الطفل السوري الميت على شاطئ، موقف أوروبا من اللجوء، ما الذي يمكن أن يغيّره؟». وفيما انشغلت دوائر القرار أمس بمحاولة إيجاد حلّ لتلك المعضلة، كان الإعلام منشغلاً بسؤال آخر: هل ننشر صورة إيلان أم لا ننشرها؟ «تويتر» لم ينتظر الضوء الأخر من أحد. أكثر من 60 ألف مرّة غرّدت صورة الطفل خلال أقلّ من 24 ساعة.

لكن، هل تعدّ أخلاقيّات نشر الصورة الصحافية، شأناً يستحقّ النقاش أصلاً، أمام هول المأساة؟ هناك جسد طفل ملقىً كقطعة بلاستيك على أحد شواطئ المتوسّط؛ نشرُ الصورة أو عدمه لن يمحو الفاجعة، لن يلغي فعل الغرق، لن يضع إيلان فوق سرير دافئ، لن يردّ أمّه وشقيقه إلى الحياة. لكنّ الصورة وثيقة، وصورة إيلان مناسبة جديدة لإعادة طرح إشكاليّة دور الصور في النزاعات، وأهميّة الأعمال الفوتوغرافيّة القادرة على التذكير بالظلم، وتغيير مسار التاريخ.

]]]

ترى بعض المدارس الصحافيّة أنّ نشر صور جثث، وخصوصاً إن كانت لأطفال، إهانة لكرامة الضحايا الإنسانيّة. مدارس أخرى تجد أنّ حجب الصور القاسية، تجهيل للقاتل، وتعتيم على أهوال الحرب، وخيانة لمبدأ عرض الحقيقة كاملة. يسأل منظّرون من مدارس أخرى أيضاً، عن قيمة الحقيقة إن كانت تفرض استباحة خصوصيّات أفراد ماتوا في ظروف مأساويّة، خصوصاً أنّ الصور لن تنصفهم، بل ستحوّلهم إلى أرقام تتكدّس فوق أخرى.

قبل أيّام، رفضت صحف وقنوات تلفزيونيّة أميركيّة نشر مشاهد مقتل الصحافية أليسون باركر والمصور آدم وورد على الهواء مباشرةً، احتراماً للضحيتين، ورفضاً لتكريس منطق القاتل. والعام الماضي، أجمعت القنوات الأميركيّة على عدم بثّ شريط ذبح الصحافي جايمس فولي على يد «داعش»، كما حظر «تويتر» نشرها، ما فُسّر حينها أنّه حرص على «كرامة الضحيّة البيضاء»، أكثر من كرامات آلاف الضحايا السوريين الذين عُرِضت صور موتهم من دون أيّ وازع. وبالأمس، رأى بعض المختصّين أنّ عرض صور إيلان مسّ بقيمة الحياة السوريّة. لكنّ آخرين رأوا أنّ المسّ الحقيقي بحياة السوريين، هو في عدم عرض تلك الصور. من جهتها، أجمعت الصحف البريطانيّة من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، على عرض صور الطفل الغريق على صفحاتها الأولى. صحيفة «لو موند» الفرنسيّة خصّت غلافها للصورة مع عنوان «صورةٌ لتفتح أعيننا»؛ في حين برّرت «ليبراسيون» عدم نشرها الصورة، بأنّ فريق التحرير لم يرها في الوقت المناسب قبل إقفال العدد، واعتذرت عن ذلك، معلنةً دعمها الكامل لقضيّة اللاجئين.

في تصاريح إعلاميّة، قالت كيم مورفي من صحيفة «ذا لوس أنجلس تايمز» أنّ محرّري الصحيفة أجمعوا على ضرورة نشر الصورة، وأضافت: «الصورة ليست هجوميّة، ولا دمويّة، ولا تافهة، إنّها تحطّم القلب فقط، وفيها شهادة صارخة على مأساة إنسانيّة تحدث في سوريا، وتركيا، وأوروبا، وغالباً ما تكون هذه المأساة غير مشهود عليها (غير مرئيّة)». وأضافت: «كتبنا قصصاً عن آلاف المهاجرين الذي لقوا حتفهم في قوارب، أو في شاحنات، أو وحيدين على سكك الحديد، ولكن كان يتطلّب الأمر صورةً لطفل صغير على شاطئ لإفهام بعض القرّاء حجم مأساة المهاجرين».

من جهته، رفض موقع Vox نشر الصورة، وقال الصحافي ماكس فيشر تعليقاً على ذلك الخيار: «أتفهّم الحجّة القائلة بأنّ نشر الصورة طريقة لرفع الوعي وجذب الانتباه حول مأساة اللاجئين، ولا ألوم وسائل الإعلام التي نشرتها. لكنّي قرّرت عدم نشرها لأنّي لا أستطيع الحصول على موافقة الطفل الموجود في الصورة على جعله رمزاً».

]]]

في خضمّ السجال، نشر موقع معهد «بوينتر» المتخصّص بالصحافة أمس، تقريراً أخذ فيه رأي اختصاصيين، حول أخلاقيّة نشر صور إيلان، ومدى التزام ذلك بالمعايير المهنيّة. وقالت كيلي ماكبرايد من أخصائيي المعهد: «أحياناً تُظهر وسائل الإعلام صور الموت بطريقة مجانيّة، ولكن في أحيان أخرى، يكون نشر تلك الصور نابعاً من مسؤولية مهنيّة». وقال زميلها آل تومبكنز: «صورة موت واحد، خصوصاً حين يكون طفلاً، يمكن أن تجذب اهتمامنا بطريقة أكثر فعاليّة، من صور مجموعات من الراشدين اليائسين (...) بعض الصور تصبح أيقونيّة لدرجة تدفع الحكومات للتحرّك، رأينا ذلك في الصومال، وفيتنام، وإعصار كاترينا».

وفي السياق ذاته، يقول مؤسس «معهد بوينتر للتصوير الصحافي» كينيث إيربي لأحد المواقع المتخصّصّة، أنّ الأمر أعقد بكثير من فكرة استباحة خصوصيّة الأشخاص الظاهرين في الصورة. فخيار نشر صور الفجائع يخضع لمعايير عدّة برأيه، أبرزها عدم الخضوع لضغوطات سياسيّة، لناحية الحجب أو العرض؛ إلى جانب معيارَيْ «إظهار الحدّ الأقصى من الحقيقة، والحدّ الأدنى من الأذى»، بحسب تعبيره. «الحدّ الأقصى من الحقيقة لأنّ ذلك هو عمل الصحافيين، أي التوثيق، ونقل ما يرونه للمتفرجين. فالصحافيون عيون العالم، وهناك الكثير من الناس الذين يعتمدون عليهم لمعرفة ما يحدث. أمّا الحدّ الأدنى من الأذى، فذلك لأنّ بعض الصور قد تؤثّر سلبياً على أفراد ربما يتأذُّون من رؤية الموت، والألم، وقد يعانون من تروما».

]]]

التقطت صورة إيلان الصحافية التركية نيلوفر ديمر من وكالة «دوغان». وقالت ديمر في حديث لـ «سي أن أن تركيا» إنّ الدمّ جمد في عروقها لدى رؤية جثّته على الشاطئ. «حين رأيته، تجمّدت. المحزن أنّه لم يكن هناك ما يمكن فعله لذلك الطفل، فقمت بعملي. نجوب الشواطئ بشكل دائم منذ أشهر، ولكن أمس (الأربعاء) كان الأمر مختلفاً، رأينا جسد طفل لا يتحرّك، وجسد أخيه. من خلال تصويرهما، أردت أن أظهر مأساة هؤلاء الناس». وأشارت ديمر الى أنّها صوّرت جثث لاجئين ملقاة على الشواطئ سابقاً، ولم تكن تعرف أن صور إيلان ستخلّف ذلك الأثر.

صحيفة «ليبراسيون» الفرنسيّة، طرحت سؤال النشر على المصوّر ألان مينغام الحائز على جائزة «وورد برس»، ورئيس جائزة «الوكالة الفرنسيّة للتنمية». برأي مينغام فإنّ الصورة تتمتّع بكافّة العناصر العاطفيّة الكفيلة بإخراجها من التسطيح الذي قد يطال صور الحرب. «إنها تسائل عيوننا وضميرنا، وما يزيد من فظاعتها أنّها أُخِذت على الشاطئ خلال عطلة صيفيّة، ما يخلق تناقضاً بين ديكور الجنّة وديكور الجحيم في المكان ذاته».

يرى المصّور أنّ الصورة خالية من أيّ بعد جمالي، ولا تبذل أيّ جهد انفعالي، كلّ ما تفعله أنّها تقول للعالم: «انظروا إلى هذه الفاجعة التي أصبحت عاديّة». وبحسب فهم مينغام، فإنّ الصورة تختلف عن غيرها من صور اللاجئين «لأنّها تخرج من أثر المجموعة، لتظهر الطفل لوحده، معزولاً بموته الدراماتيكي، وذلك ما يمسّنا كآباء، وأمهات، وأخوة، وأخوات، ويخرج الصورة من التجهيل الذي يفرضه الحشد، إلى التخصيص الذي يفرضه مشهد كائن بشري وحيد، وفوق ذلك طفل». ويضيف: «تسائل الصورة جبننا. الغضب يكون على قياس الرعب الناجم عن المشهد. نشعر بالمسؤولية لأنّنا تركنا الأمور تتفاقم، ولأنّنا أهملنا صوراً أخرى». نشر الصورة إذاً، «رفضٌ لوضع لم يعد محمولاً»، بحسب المصوّر الفرنسي.

لكنّ صوراً كثيرة أخرى، لأطفال من ضحايا الحروب والمجاعات، هزّت ضمير العالم في السابق من دون أن تغيّر سلوكه. بعضها شكّل يقظة في الرأي العام، انعكست مع الوقت تغييراً في السياسة، كما كانت الحال مع الطفلة الفيتنامية كيم فوك التي صوّرها الصحافي الأميركي نيك أوت العام 1972، بعدما احترقت بغاز النابالم. صدمت صورة فوك الرأي العام الأميركي، وشكّلت وسيلة ضغط لإنهاء حرب الولايات المتحدة على بلدها. فما الذي يمكن أن تفعله صورة إيلان، بعدما أبكت العالم؟ الصحف الأوروبيّة تريدها أن تدفع باتجاه تغيير سياسات الهجرة واللجوء... آخرون يخجلون من النظر إلى صورة إيلان، لأنّهم اختبروا العجز أمام الموت السوري لخمس سنوات متتالية، ولأنّهم شهدوا، بصمت، كيف بلغ جحيم السوريين أيّاماً، صار فيها البحر يبصق أجساد أطفالهم على شواطئ غريبة باردة.

سناء الخوري - السفير 

http://assafir.com/Article/1/441858

Script executed in 0.035116910934448