سوريا.. «مهنٌ» جديدة أفرزتها الحرب (1)

الثلاثاء 29 أيلول , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,688 زائر

سوريا.. «مهنٌ» جديدة أفرزتها الحرب (1)

وضمن هذا السّياق، تعرّف النّاس إلى مهنٍ مُحدثةٍ تعدّ «تجارة الكهرباءِ البديلة» أحد أبرزِ عناوينها. ومع تزايد ساعات انقطاع التيّار الكهربائيّ وعدم انتظام مواعيد «التقنين»، سارع طيفٌ لا بأس به من التجار إلى استيرادِ كميّات مهولةٍ من «أدوات الطاقة البديلة» (كالمولدات والبطاريات ورافعات الجهد والصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعروفة محلياً باسم أشرطة «الليد»)، وغيرها الكثير.

وبالرغم من الإقبال الكبير على شراءِ هذه السّلع، إلّا أنّ معظم التجّار يُصرّون على كونهم غير مستفيدين تماماً من فضاءِ عملهم الجديد.

ويقول محمد العُلبي، أحد تجّار سوق الكهرباء في حيّ المرجة الدمشقي، «نحن نلبّي حاجات النّاس، ونستورد ما يلزم للتعامل مع أزمة الكهرباء الّتي نعاني منها جميعاً، وبالرغم من رواج تجارتنا، إلا أنّنا نشارك السوريين مصابهم، فما الفائدة من تحقيقِ هامش ربح يصل إلى عتبة 100 ألف ليرة، إذا كان هذا المبلغ غير قادرٍ على إسكات جوعِ عائلةٍ مكوّنةٍ من خمسة أفراد؟».

بعيداً عن الواقع الخدميّ، وانطلاقاً من عدم استقرار سعر صرف الليرة السوريّة أمام القطع الأجنبيّ، فقد سارع عدد من التجّار إلى الاشتغال في سوق الصّرافة، وفق محدّدات تجعلهم رابحين على الدّوام. ويشكّل هؤلاء عصب «السوق السوداء» الّتي يزيد سعر صرف الدولار الأميركي فيها على سعر صرفه ضمن المصرف المركزيّ بمبلغٍ يتراوح اليوم بين 25 و30 ليرة سورية. ويشتغل العاملون ضمن هذه السّوق على قاعدة «تكثيف الشّراء في أيّام الرّخص وتكثيف البيع في أيّام الغلاء»، الأمر الّذي سمح لبعضهم بتكوين ثرواتٍ كبيرة خلال مدّة زمنية لم تتجاوز العامَ أو العامين.

لكنّ هذا الأمر، وبالرّغم من جدواه الرّبحيّة بالنّسبة الى تجّار الصّرافة، يحتمل مخاطر كثيرةً يتعلّق أغلبها بالمشاركة في اللوبيات الّتي تساهم بالتلاعب بسعر الليرة السورية بغية تحقيق خلخلة في السوق لغاياتٍ سياسيّة، الأمر الّذي قد ينتهي، كما حصل في مناسباتٍ كثيرة، إلى قيامِ الدّولة بتوقيف عددٍ من الصرّافين وإغلاق محالهم إلى غير رجعة.

وفي سياق موازٍ، ساهمت الحرب في إيقاظ «حلم الهجرة» لدى طيفٍ واسعٍ من السوريين، ونظراً الى انقطاع العلاقات الديبلوماسيّة بين سوريا ومعظم دول الغرب من جهة، وعدم توافر طرق شرعيّة للسفر إلى تلك الدّول، فقد نشطت «تجارة الهجرة» ضمن باقة المِهن المُحدثة في عمر الحرب.

يتحدّث خلدون (اسم مستعار) عن رحلة الموت من لبنان إلى ألمانيا مروراً بتركيا واليونان ومقدونيا والمجر والنمسا، ويقول «يتقاضى منظّمو الرحلات مبلغ 2500 يورو على المهاجر الواحد». ويضيف «حين أبحرنا من تركيا باتجاه اليونان، شعرتُ أنّنا لن نصلَ إلى شاطئ ميتليني (جزيرة يونانية)، فقد كنّا 28 مهاجراً نشقّ البحر على متن بلمٍ واحد (البلم: قاربٌ مطاطيّ صغير) واعتقدتُ أنّنا غارقون لا محالة». ويختتم خلدون «إذا ضربتَ عدد المهاجرين بتكلفة سفر الشّخص الواحد لوجدت أنّ مُنظمي الرحلات يتقاضون قرابة 70 ألف يورو على الرحلة الواحدة... إنّها تجارة رابحة للغاية».

وفي سياق مشابه، فإنه حين تدور رحى الحرب في منطقةٍ سوريّة، تجري عمليات سرقة ونهب شبه منظمة من جانب غالبية الأطراف على الأرض. وعلى سبيل المثال، عندما تنتهي مواجهة بانتصار الجيش السوري على خصومه، يُسارع فريق من المسلحين الموالين للنظام إلى «تعفيش» منازل تلك المنطقة، ويُعرف «التعفيش» بأنّه سرقة «عفش» (أثاث) المنازل ومن ثمّ بيعه في «سوق الحراميّة»، وهو الأمر الّذي تحوّل، بفضله، عدد من قيادات المسلحين الموالين للنظام إلى أشخاصٍ فاحشي الثراء من دون أن تتمكّن الدولة من وضعِ حدٍّ لهذه الظاهرة الّتي تُعتبر واحدةً من أبشع «المهن» الّتي أفرزتها الحرب.

تزوير شهاداتٍ جامعيّة، تأمين استثناءاتٍ لتأجيل الخدمة العسكريّة، تخريج معتقلين لدى الدولة مقابلَ بدلاتٍ مالية ضخمة، الخطفُ وافتداءُ المخطوفين بمبالغ كبيرة، هذه الظواهر جميعها، وغيرها الكثير، تحوّلت إلى «مهنٍ» يشتغل بها عدد من السوريين خلال عُمر الحرب، وفي انتظارِ استعادةِ الدولة حضورها القديمِ وقدرتها العتيقة في فرضِ الأمن على اتساع البلاد، يبدو أنّ على السوريّين أن يتكيّفوا مع واقعهم، بكلّ ما ينطوي عليه من بشاعاتٍ وسواد.

رامي كوسا 

السفير بتاريخ 2015-09-29 على الصفحة رقم 11 – عربي ودولي

Script executed in 0.026717901229858