عربي دولي

اليمن على حافة الفوضى الكبرى: الخلاف السعودي الإماراتي يشتعل والحـوثي يحصد المكاسب بلا قتال

الضربة التي هزّت ميناء المكلا لم تكن مشهدًا عسكريًا عابرًا، بل إعلانًا بأن الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن خرج من غرفة التنسيق إلى ساحة الاختبار العلني، مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر على أمن اليمن، وحدود السعودية، والممرات البحرية جنوب البحر الأحمر.
وفق رواية التحالف وبيانات متداولة على نطاق واسع في الأيام الأخيرة، وصلت سفن إلى المكلا محمّلة بعربات قتالية وحاويات يُشتبه أنها ذخائر، مع اتهامات بأن أجهزة التتبع أُطفئت خلال الرحلة، ثم جرى تحريك جزء من الحمولة باتجاه منشأة عسكرية في حضرموت. النقطة الأمنية هنا ليست تفاصيل السفن بحد ذاتها، بل ما تكشفه من واقع جديد: طرفان كانا يعملان تحت مظلة واحدة يتبادلان الاشتباه، ويستخدم كلٌّ منهما نفوذه المحلي لمنع الآخر من تثبيت وقائع تمس خطوطه الحمراء.
السعودية ترى حضرموت والمهرة شريطًا أمنيًا لا يحتمل مفاجآت. أي تمكين لقوة مسلحة كبيرة خارج قرار الحكومة في هذا العمق يعني تهديدًا مباشرًا: تهريب سلاح، تمدد جماعات غير منضبطة، وتكوين مناطق نفوذ قابلة للتحول إلى منصات ضغط على الحدود. لهذا اتجهت الرياض إلى رسالة مزدوجة: ضرب شحنة في الميناء لتثبيت قاعدة ردع، ثم الدفع باتجاه وقف أي دعم مالي أو عسكري لأي طرف محلي يتحرك خارج مسار التهدئة.
في المقابل، أعادت الإمارات تقديم موقفها بصيغة “انسحاب” أو “إنهاء مهمة”، لكن الوقائع على الأرض لا تتغير بمجرد بيان. النفوذ الحقيقي في الجنوب لا يقوم على وجود جنود نظاميين فقط، بل على شبكة قوى محلية مسلحة وممولة ومدرّبة، قادرة على السيطرة وفرض الأمر الواقع من عدن إلى الساحل الغربي وصولًا إلى حضرموت. هنا تصبح كلمة الانسحاب أقرب إلى إعادة تموضع: تخفيف كلفة الاحتكاك المباشر مع السعودية، مع بقاء الأدوات المحلية تعمل بالنيابة.
السؤال الذي يهم المواطن أمنيًا: لماذا لم تتحول الضربة إلى استهداف شامل للقوافل والآليات؟ الجواب مرتبط بكلفة الإصابة الجانبية. الضرب قرب خزانات وقود أو داخل مدينة ساحلية يمكن أن يتحول إلى كارثة مدنية تضع الرياض تحت ضغط دولي، وتمنح خصومها ذخيرة سياسية مجانية. كما أن ضرب أرتال مدرعة داخل طرق مزدحمة يعني احتمالًا مرتفعًا لسقوط ضحايا مدنيين، ويحوّل رسالة الردع إلى فضيحة إنسانية. لذلك اختارت السعودية “ضربة محسوبة” تخدم السياسة أكثر مما تخدم التدمير الكامل.
الأكثر خطورة أن هذا الاشتباك يقع بينما الحوثيون يراقبون بهدوء من الشمال. أي تصدّع في المعسكر المناهض لهم يرفع رصيد الحوثيين من دون قتال، ويمنحهم مساحة أوسع للمناورة في جبهات حساسة. لذلك فإن الخلاف بين الحلفاء لا يضعف الدولة فقط، بل يعيد ترتيب ميزان القوة لمصلحة خصم واحد يستفيد من انقسام خصومه.
السيناريوهات أمام هذا المسار أربعة، وكلها أمنية قبل أن تكون سياسية. الأول تهدئة سريعة عبر وساطات تعيد قواعد الاشتباك القديمة وتوقف الشحنات والتحركات الحساسة، مع بقاء جذور الخلاف كما هي. الثاني انفلات محدود: اشتباكات متقطعة بين القوى المحلية، إغلاقات طرق، وتوسّع فوضى أمنية في مدن الجنوب، من دون إعلان حرب بين العواصم. الثالث تثبيت نفوذ ناعم: إعادة انتشار وتبديل واجهات، مع بقاء السيطرة عبر الوكلاء، ما يكرّس جنوبًا مفككًا طويل الأمد. الرابع، وهو الأخطر، فشل الضبط وتحول الجنوب إلى ساحة استنزاف تشبه حروب الوكالة في ساحات أخرى، حيث يدفع اليمنيون الثمن، ويصير أمن الحدود والممرات البحرية ورقة ضغط دائمة.
الخلاصة أمنيًا واضحة: إذا استمر توزّع القرار العسكري بين وكلاء متعددين، فالدولة ستبقى الحلقة الأضعف، والجنوب سيبقى قابلًا للاشتعال في أي لحظة، بينما يتقدّم منطق النفوذ على منطق الأمن. في هذه المعادلة، قد يربح كل طرف جولة، لكن الخسارة التراكمية تقع على المواطن أولًا، ثم على استقرار المنطقة بأكملها.
بنت جبيل.اورغ