خاص موقع بنت جبيل
بينما يشيّع الدخان فوق التلال الحدودية أوهام "الحسم الخاطف"، تبرز معضلة أمنية وجودية تتجاوز الحسابات التكتيكية المعتادة؛ فالآلة العسكرية العبرية، رغم كثافة نيرانها الجوية وبنك أهدافها المتسع، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة ميدانية "عنيدة": التفوق الجوي لم يحسم معادلة الصواريخ، واستهداف المنصات لم يمنع تدفق الرشقات المئوية التي تضرب العمق، مما يضع استراتيجية "الردع بالنار" أمام حائط مسدود.
هذا الاستعصاء الميداني يدفع صانع القرار العسكري نحو خيارات أكثر خشونة وتوسعاً، إذ لم يعد الهدف مجرد تأمين "خط القرى الأول"، بل القفز نحو السيطرة على تلال حاكميّة واستراتيجية تمتد من رأس الناقورة غرباً وصولاً إلى مزارع شبعا شرقاً. النوايا العملياتية تتجه بوضوح لاحتلال مساحة تقارب 1000 كيلومتر مربع لتحويلها إلى "منطقة عازلة" صلبة (Buffer Zone). المؤشرات الاستخباراتية تؤكد أن التحشيد الجاري لثلاث فرق عسكرية، من بينها الفرقة 210 (جولان) والفرقة 91 (الجليل)، مع تعزيزات من النخبة في لواء "جولاني" والفرقة المدرعة 36، هو تمهيد لاختراق العمق وتثبيت نقاط ارتكاز استراتيجية تتجاوز المدى التقليدي لصواريخ الكاتيوشا، سعياً لتغيير جغرافيا الصراع بفرض واقع احتلالي جديد.
ومع ذلك، فإن ملامسة جنازير الدبابات لخطوط الدفاع الثانية ستفجر "لغماً عملياتياً" يعيد صياغة مفهوم المواجهة؛ فالانتقال من "الحافة الأمامية" إلى خطوط الصد العميق يعني الدخول في منطقة "القتل المتبادل" حيث تتلاشى فاعلية التغطية الجوية أمام التحصينات الجوفية المعقدة. هنا، سيواجه جيش الاحتلال استراتيجية "الاستدراج إلى الكمائن" (Kill Zones)، حيث تُترك القوات المهاجمة تتوغل في ممرات جبلية ضيقة لتصبح صيداً سهلاً لصواريخ الجيل الثالث المضادة للدروع خصوصاً الماس 3. التحدي الأمني الأكبر لن يكون في المواجهة الجبهوية، بل في ظهور مجموعات قتالية من خلف خطوط التقدم عبر شبكة أنفاق لم تدمّرها الغارات، مما يضع قوات النخبة في مأزق الحرب من كل الجهات، ويرفع فاتورة الخسائر البشرية إلى مستويات قد لا يتحملها الجدار الداخلي الهش.
الأمن القومي للمنطقة بات معلقاً على "فوهة" الصواريخ النوعية والمسيرات التي يتجاوز مداها 300 كم، والموجودة في حصون البقاع والهرمل. هذه القدرات هي التي تجعل من فكرة "المنطقة العازلة" مجرد مسكن موضعي لا ينهي التهديد؛ فالحل الجذري من المنظور العبري يتطلب تجريداً كاملاً للسلاح، وهو مسار انتحاري قد يطيل الحرب الاقيليمية ولا تضمن النتائج ولا تنهي الرشقات في ظل استنزاف حاد في المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية والذخائر الذكية، تجد إسرائيل نفسها أمام سباق مع الزمن: إما نجاح القوات البرية في تثبيت واقع "الحزام الأمني" الجديد تحت ضغط النار، أو الانزلاق نحو استنزاف طويل الأمد يحول التلال الثمانية إلى "ثقب أسود" يبتلع هيبة الجيش وأمن المستوطنات معاً.