خاص موقع بنت جبيل
تتكشف تفاصيل العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان عن نمط عملياتي "هجين"، يزاوج بين الكثافة النارية والمناورة الالتفافية الحذرة. فبعد أسابيع من التوغل، بات واضحاً أن هيئة الأركان الإسرائيلية تتبنى استراتيجية "عزل العقد العمرانية"، مبتعدةً عن الصدام المباشر داخل أزقة المدن والبلدات الكبرى، وفي مقدمتها مدينة بنت جبيل، التي لا تزال تشكل عقدة نفسية وعسكرية عصية على الاختراق.
في القطاع الغربي، رسمت قوات الاحتلال مساراً يتجنب الالتحام المباشر ببلدات النسق الأول مثل شمع وطيرحرفا والجبين. وبدلاً من الاقتحام، سلكت القوات مساراً وسطياً عبر "إسكندرونا" لمحاولة الوصول الى مرتفعات البياضة فهذه البلدة تمثل نقطة إشراف حاكمة تضع مدينة صور وسهولها تحت المرمى البصري والمدفعي، في محاولة لفرض واقع ميداني يوحي بالتقدم النوعي، بينما تظل القرى والبلدات التي خلفها جيوباً للمقاومة تنبض والعمليات العسكرية.
ينصب الجهد الإسرائيلي في القطاع الأوسط على محاولة "خنق" المجال الحيوي لمدينة بنت جبيل. وهنا تبرز الخشية الإسرائيلية من القتال المدني، إذ يستميت الاحتلال في تجنب الدخول إلى قلب المدينة أو القرى اللصيقة بها (عيناثا وعيترون)، حيث وصل من اطراف عيترون الى اطراف عيناثا الشمالية (فريز) وقد يحاول الوصول الى تلة برعشيت المشرفة على منطقة بيت ياحون وكرحبون وكونين ومنطقة تبنين وبلدات واسعة بحسب مصدر مطلع لموقع بنت جبيل.
في بيت ليف والقوزح ودبل يحاول الاحتلال التسلل نحو حداثا وبيت ياحون لقطع شريان الإمداد الشمالي عن بنت جبيل ومن المتوقع ان يتقدم الاحتلال للتموضع على اطراف عين ابل حتى منطقة شلعبون في حال قرر حصار بنت جبيل عن قرب..
وبالعودة الى تلة "فريز"، اصطدمت طموحات الاحتلال بكمائن محكمة أجبرت مروحياته على إخلاء الإصابات تحت وطأة النار، مما يؤكد أن المرتفعات المحيطة ببنت جبيل لا تزال "محرمة" عسكرياً.
أما في الشرق، فلا تزال بلدة الخيام تمثل صخرة الدفاع التي لم يستطع الاحتلال تجاوزها أو التثبيت بكامل جغرافيتها بسبب الهجمات المتكررة من عدة محاور. وبالتوازي، يندفع الاحتلال من وادي هونين نحو الطيبة ورب ثلاثين في مغامرة تهدف إلى تحقيق هدف استراتيجي أكبر وهو الوصل الميداني بين المحيسبات ووادي الحجير ووادي السلوقي.
الهدف الجوهري لهذه التحركات هو فصل "النسق الأول" من القرى الحدودية عن عمقها في "النسق الثاني". يسعى الاحتلال للسيطرة على الأودية الفاصلة والمرتفعات الحاكمة لتحويل القرى الأمامية إلى "جيوب معزولة" مقطوعة الإمداد. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تصطدم بحقيقة ميدانية قاسية.. فبقاء المقاومين داخل هذه القرى وتجنب الاحتلال لدخولها، يجعل من قوات التوغل الإسرائيلية هدفاً دائماً للالتفاف من الخلف، ويحول "المناطق العازلة" التي يحلم بها نتنياهو إلى مناطق استنزاف دائم لا تعرف الاستقرار.
يبدو نمط السيطرة على التلال الحاكمة والالتفاف حول المراكز العمرانية، هو اعتراف ضمني بصلابة "القلاع البشرية" في قرى الخطوط الأمامية وما يليه من أنساق دفاعية. هذا التجنب المتعمد للقتال داخل المدن ليس إلا مؤشراً على طول أمد المعركة، فالمعطيات الميدانية التي يطلع عليها موقع بنت جبيل تؤكد أن المقاومة حولت مناطق الجنوب إلى مخازن استراتيجية مشبعة بالذخيرة، التموين، وجميع العناصر القتالية، وأعدت العدة لحرب عصابات وإغارات تذكر بنمط الاستنزاف ما قبل عام 2000 كما جرى البارحة في مارون الراس، ولكن بأدوات وقدرات تكنولوجية وصاروخية أكثر فتكاً.
وما بقاء وتيرة إطلاق الصواريخ من الجنوب باتجاه العمق الإسرائيلي وبالقوة ذاتها، إلا دليل على فشل الاحتلال في شل القدرة القيادية والتنفيذية للمقاومة رغم التوغل. وفي ظل هذا الاستعصاء، قد يجد الاحتلال نفسه مضطراً في أي لحظة لتغيير تكتيكه ومحاولة اقتحام البلدات "بيت لبيت" وهي الخطوة التي ستعني حتماً الغرق في مستنقع دام ٍ، حيث تتحول الأزقة إلى كمائن موت محققة للدبابات والمشاة على حد سواء.
وعلى ضوء ما ذكرته القناة 14 الإسرائيلية حول نشر مدافع الميدان داخل الأراضي اللبنانية لأول مرة منذ عام 2000، يبرز تحول خطير يعكس رغبة الاحتلال في تحويل التوغل المؤقت إلى "تموضع ناري" دائم لتوفير تغطية مباشرة لقواته المتعثرة على ابواب البلدات والمدن. هذا التصعيد يترافق مع حالة من الإطباق الرقابي الصارم التي يفرضها الاحتلال على خسائره، إذ يمنع تسرب اي خبر او صورة عن حجم الضربات التي يتلقاها جنوده في "أودية الموت"، خوفاً من انهيار الرواية الرسمية حول سهولة العملية.. إن المشهد اليوم يشي بأن الجنوب اللبناني لم يعد مجرد جبهة حدودية، ولكنه تحول إلى فخ استراتيجي أُعد بعناية، حيث "الوقت" هو السلاح الأقوى بيد الحزب، و"الاستنزاف" هو الثمن الباهظ الذي قد يدفعه الاحتلال في كل متر يتقدمه، ليبقىزالمشهد بانتظار مفاوضات لم تنضج ملامحها بعد.