عربي دولي

هرمز بين الصفقة والكمين: لماذا ترفض إيران هدنة ترامب المؤقتة؟

 

علي منصور 

في قلب المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي، بل تحوّل إلى أداة ضغط استراتيجية بيد طهران، تستخدمها لإعادة تشكيل ميزان القوة في الصراع. فالمعركة لم تعد تدور حول الجغرافيا بقدر ما باتت تدور حول من يفرض شروط التهدئة أولاً، وكيف يُعاد ترتيب مسارها خطوةً خطوة.

ما يبدو ظاهرياً خلافاً تقنياً حول “هدنة مؤقتة” أو “فتح هرمز”، يخفي في العمق صراعاً بين فلسفتين متناقضتين في إدارة التفاوض: نهج أميركي (ترامبي) يقوم على انتزاع التنازلات تدريجياً قبل الوصول إلى الصفقة، مقابل إصرار إيراني على فرض صفقة شاملة دفعة واحدة، قبل التخلي عن أوراق القوة.

من امتصاص الضربات إلى صناعة الضغط

لم تصل طهران إلى ذروة الضغط الاقتصادي منذ بداية الحرب، بل بلغت هذه المرحلة عبر مسار تصاعدي مدروس. فمنذ الأيام الأولى، لم تلجأ إلى إغلاق كامل للمضيق، بل اعتمدت سياسة إدارة المرور وتقنينه وفق اعتبارات سياسية دقيقة، سمحت من خلالها بعبور حلفائها وحتى لبعض شركاء واشنطن، و قيّدت في المقابل قدرة الأخيرة على حشد تحالف دولي لفتح المضيق بالقوة. 

بالتوازي، اعتمدت إيران استراتيجية مزدوجة: امتصاص الضربات الأميركية–الإسرائيلية والحفاظ على تماسك بنيتها القيادية والعسكرية، مع توجيه ضربات مضادة على امتداد ساحات المواجهة. هذا التدرّج نقلها من موقع الدفاع إلى موقع فرض المعادلة.

ومع تراجع فعالية الردع الأميركي، تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة الاختناق الأهم: أداة لنقل الصراع من ساحة عسكرية إلى ساحة اقتصادية عالمية. لم يعد الإغلاق مجرد رد، بل رسالة واضحة بأن كلفة الحرب ستدفعها  أسواق الطاقة،  إلى جانب الميدان. وهنا تحديداً بدأ الضغط المعاكس على واشنطن.

استراتيجية ترامب: استراحة محارب 

في المقابل، يتعامل دونالد ترامب مع الأزمة بعقلية Art of the Deal في أوضح صورها.
المطلوب أميركياً ليس اتفاقاً شاملاً فورياً، بل مسار مرحلي يبدأ بفتح كامل وغير مشروط لمضيق هرمز، كخطوة أولى تعيد التوازن إلى الأسواق وتخفف الضغط الاقتصادي، تليها  هدنة مؤقتة – تقارب 45 يوماً – بوصفها “استراحة تكتيكية” لإطلاق مفاوضات حول الملفات الكبرى: النووي، العقوبات، والأمن الإقليمي.

لكن هذه الهدنة، في الحسابات الأميركية–الإسرائيلية، تتجاوز كونها مساحة تفاوض. فهي فرصة لإعادة ترتيب المشهد الميداني: إعادة تموضع القوات، إعادة تعبئة المخزونات، تقييم نتائج الضربات، والتحضير – عند الحاجة – لجولة تصعيد جديدة بظروفٍ  أفضل.

بمعنى آخر، تسعى واشنطن إلى انتزاع الورقة الأقوى من يد طهران أولاً، ثم التفاوض من موقع أكثر راحة. وإذا رفضت طهران شروطها، تُستأنف الحرب عليها بزخمٍ أكبر وبحججٍ  يستطيع ترامب تسويقها في الداخل الأميركي.  

الرفض الإيراني: لا لهدنة تُفرّغ الإنجاز من مضمونه

من هنا يمكن فهم الرفض الإيراني القاطع لأي هدنة مؤقتة، إذ ترى طهران أن الطرح الأميركي لا يعدو كونه فخًّا استراتيجيًّا موصوفًا. 

إيران ترى أنها دفعت كلفة مرتفعة للوصول إلى هذه اللحظة: صمود تحت ضربات مكثفة، الحفاظ على تماسك الدولة، ثم الانتقال إلى فرض ضغط اقتصادي عالمي عبر هرمز. أي تراجع الآن – ولو مؤقت – يعني عملياً تبديد هذا المسار.

فتح المضيق لمدة 45 يوماً، وفق هذا المنطق، لن يكون سوى تنفيس فوري لأزمة الطاقة، يمنح واشنطن وقتاً لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها… قبل العودة للضغط أو التصعيد العسكري بشكل أقسى.

لهذا تصرّ طهران على معادلة معاكسة:
لا فتح لهرمز إلا ضمن صفقة نهائية تشمل وقفاً دائماً للحرب، ضمانات دولية، رفع العقوبات، وإعادة الإعمار، إضافة إلى ربط المسار بالجبهة اللبنانية.

إنه رفض صريح لأي “تجزئة”، لأن التجزئة – في نظرها – تعني خسارة تدريجية لكل عناصر القوة.

صراع على التسلسل… لا على التفاصيل

جوهر الخلاف لا يكمن في الأهداف النهائية، بل في ترتيب الخطوات:

1- واشنطن: تريد  فتح هرمز فوراً مع  هدنة مؤقتة، ثم  مفاوضات على صفقة محتملة
2- طهران: تريد  صفقة شاملة بضمانات، تفتح بنتيجتها  هرمز . 
هذا التباين يعكس ميزان قوى دقيق:
ترامب يريد تخفيف الضغط الاقتصادي أولاً ثم التفاوض من موقع أقوى، فيما تسعى إيران إلى تثبيت مكاسبها قبل أي تنازل.

إلى أين تتجه الأمور؟

مع ضيق المهلة التي حدّدها ترامب وتصلّب المواقف، يبدو أن احتمال التوصل إلى اتفاق شامل  ضعيف جداً. المسار الأرجح هو الانتقال إلى مرحلة تصعيد جديدة تستهدف البنية التحتية ومفاصل الطاقة، مع ردود إيرانية أوسع من الخليج إلى إسرائيل مع فتح جبهة البحر الأحمر وباب المندب .

في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية:
إما صفقة كبرى تعيد رسم قواعد الاشتباك، أو انزلاق إلى جولة أكثر خطورة تتحول فيها الحرب إلى أزمة طاقة عالمية مفتوحة.

لكن حتى الآن، تبدو طهران حاسمة في خيارها:
لن تتخلى عن ورقة هرمز مقابل هدنة مؤقتة… ولن تقع في الكمين  التفاوضي ذاته مرة أخرى.