أخبار بنت جبيل

سادنةُ الحرف التي أضاءت عقول الأجيال.. فريال شامي: رحيل القامة والمربية التي نذرت ثمانية عقود لصياغة هوية المدينة المعرفية

موقع بنت جبيل - اورغ

في لحظةٍ تاريخيةٍ مثقلةٍ برائحةِ الركام وأنينِ الأرض، ترجّلت المربية الفاضلة فريال قاسم الشامي (1941-2026)، لتمثّل برحيلها فصلاً جديداً من فصول التراجيديا التي تعيشها مدينتها بنت جبيل.. القامة التربوية أفنت ثمانية عقود في صقل العقول بين ابناء المدينة والجوار..

تغادرُنا سيّدة الصرح "المعلمة فريال"  في وقت غدت فيه مآذن بنت جبيل وحواكيرُها، التي كانت يوماً شواهدَ على العزّ، ركاماً يئنّ تحت وطأةِ دمارٍ هائل عدواني، وحصارٍ حالَ دون أن تلتحمَ هذه الهامةُ بترابها الأصيل.. لقد شاء القدر  أن تُوارى الثرى في بيروت "كوديعةٍ مؤقتة"، في مشهد يختصرُ وجعَ الجنوبيين؛ حيثُ ينتظرُ الجسدُ في منافيه القسريةِ انقشاعَ غبارِ الحرب، ليعودَ إلى مخدعه الأخير في المدينة التي علّمته الصمود.
لقد كانت الراحلةُ شاهدةً على تحولاتِ الزمن، فمنذ انطلاقتها في دروب العلم، واجهت عواصفَ الحياة بصلابةٍ نادرة. فقدت شريكَ عمرها وهي في ذروةِ العطاء، فما استكانت ولا انكسرت، بل حملت وحيدها "حسن" بيد، ومشعلَ المعرفة باليد الأخرى، متنقلةً بين الثانويات والمعاهد المهنية، زارعةً في كلِّ زاويةٍ بذورَ الوعي التي نضجت اليوم في عقول أجيالٍ كاملة من أبناء منطقتها.
إنّ مرارةَ هذا الفقد تكمنُ في تلك المفارقةِ القاسية؛ فالمربيةُ التي علّمت الأجيالَ معنى "الوطن" و"البيت"، تجدُ نفسها اليوم في ذمةِ الثرى بعيداً عن بيتها المستباح. هي التي أدارت مؤسسة تربوية حملت اسمها بحكمة القائد، يغيبُ جسدها في زمنٍ تحاولُ فيه آلةُ الحرب طمسَ معالمِ مدينتها، لكنّ إرثها المعرفي يظل عصياً على الهدم، وقائماً في ضمائرِ تلامذتها الذين تشبعوا من فيضِ رصانتها هناك في ثانوية بنت جبيل والمهنية.
رحلت فريال الشامي، وتركت في قلوب محبيها غصةَ الوداعِ الناقص، بانتظارِ يوم تُحمل فيه على أكفّ الشوق لتعانقَ ترابَ بنت جبيل الطاهر. ستبقى ذكراها "أمانةً" في عنق التاريخ، وشعلةً لا يطفئها نزوحٌ ولا يحجبها دمار، حتى يعودَ الحقُّ لأصحابه، وتعودَ "الوديعةُ" إلى حضنِ الأرض التي أنبتتها.