بنت جبيل.اروغ
يفرض المشهد الميداني المتفجر في المثلث الجغرافي الممتد بين قلعة الشقيف ويحمر الشقيف وميفدون وصولاً إلى زوطر الشرقية قراءة عسكرية مغايرة تتجاوز حدود المناوشات الحدودية، لتضع هذه المنطقة في قلب تمهيد عملياتي متصاعد يشي بنيات واضحة لتوسيع رقعة الاشتباك شمال نهر الليطاني.
كثافة النيران التي يصبها جيش الاحتلال على هذه القرى ترتبط بشكل وثيق ببدء تفعيل منظومة Roem المدفعية الجديدة، وهي مدافع آلية ذاتية الدفع من عيار 155 ملم، دخلت مسرح العمليات لتعويض التراجع الملحوظ في كثافة الطلعات الجوية، وتأمين تغطية نارية مستدامة تسبق أي تحرك بري محتمل للفرقة 91.
هذا الانزياح نحو القوة المدفعية الكلاسيكية، وتحديداً عبر منظومة Roem القادرة على إطلاق 8 قذائف في الدقيقة، لا يعكس مجرد رغبة في التدمير المساحي، بل يترجم استراتيجية "اقتصاد القوة الجوية" التي تتبناها هيئة الأركان، حيث يتم ادخار الجهد الجوي لسيناريوهات المواجهة الإقليمية الأوسع، بينما تُوكل مهمة إنهاك الخطوط الدفاعية وقطع طرق الإمداد نحو محيط مدينة النبطية إلى هذه المدافع، التي تملك قدرة تقنية على إبقاء الضغط الناري لساعات طويلة دون انقطاع، مع قابلية عالية لتبديل مواقعها والتخفي من المسيرات العاملة عبر الألياف البصرية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تحليلات صادرة عن International Institute for Strategic Studies وRAND Corporation، والتي تشير إلى أن الجيوش التي تتحضر لمناورات برية في بيئات معقدة تعمد أولاً إلى عزل مسرح العمليات عبر أحزمة نارية مركزة، وهو ما يفسر استهداف العقد اللوجستية والمراكز الاستخبارية في هذا المحور تحديداً، بحسب اطلاع موقع بنت جبيل.
في الميدان، يتحرك مشاة وآليات الفرقة 91 تحت هذا الغطاء الناري وفق النمط العسكري التقليدي القائم على مبدأ "النار التي تمهد للمناورة"، حيث يتم اختبار ثبات الجبهة المقابلة ومدى جاهزيتها قبل اتخاذ قرار الاندفاع البري.
هذا الواقع يضع فرضية التقدم نحو منطقة النبطية كاحتمال وازن ضمن سلة خيارات الاحتلال، خصوصاً مع التهديدات والإنذارات التي طالت بلدات جبشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعدشيت الشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا، سواء كان الهدف توغلاً محدوداً لتعديل خطوط التماس، أو محاولة فرض واقع أمني جديد يعزل البلدات والمدن الجنوبية عن عمقها الحيوي، خاصة أن طبيعة الأرض في محيط يحمر الشقيف تمنح من يسيطر عليها نارياً قدرة على التحكم في مسارات الإمداد الرئيسية.
ويتبلور هذا التصعيد كإعادة صياغة شاملة لقواعد الاشتباك، حيث إن الجمع بين التقدم الميداني للفرقة 91 واستخدام منظومة Roem كقوة ضاربة أساسية يوحي بأن منطقة النبطية دخلت مرحلة الاختبار الفعلي لموازين القوى، في ظل اشتداد ضربات حزب الله، ولا سيما عبر ما بات يُعرف بالمسيرات الانقضاضية التي تعمل عبر أسلاك الفايبر ويصعب مواجهتها حتى الآن، وسط ترقب لما ستؤول إليه هذه الاندفاعة التي قد تتطور من ضغط ناري إلى عملية واسعة النطاق في حال تبدلت المعطيات السياسية أو الميدانية.
وخلال الساعات الأخيرة، رُصدت تحركات لوجستية للفرقة 91 شملت لواء "ألكسندروني" ولواء "ناحال"، مع نقل مراكز القيادة الأمامية إلى نقاط تشرف مباشرة على منخفضات يحمر الشقيف، ما يعزز فرضية الانتقال الفعلي من حالة الدفاع إلى مرحلة "التمهيد للمناورة".
ومع اشتداد هذه الضربات، تبدو الأيام المقبلة مفتوحة على احتمالات غير عادية، حيث يُتوقع أن يلجأ الاحتلال إلى تنفيذ "أحزمة نارية" غير تقليدية، تحاكي في عنفها ما جرى في بنت جبيل وعيناثا وعيترون والخيام والطيبة قبل محاولات الدخول إليها، مع تركيز خاص على أهداف استراتيجية تُعد كابوساً مزمناً له، مثل جبل "علي الطاهر"، الذي أثقله بغارات عنيفة لاعتقاده باحتوائه على مخابئ لأسلحة استراتيجية قادرة على قلب المعادلة في أي لحظة.
بناءً على هذه المعطيات، فإن ما يجري في مثلث الشقيف وميفدون لا يمكن فصله عن مسار عسكري أوسع، يسعى من خلاله الاحتلال إلى فرض وقائع ميدانية متقدمة قد تسبق أي ترتيبات سياسية مستقبلية، في سياق تصعيد يبدو أنه خرج فعلياً من إطار المناوشات التقليدية نحو مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية.