جاء في صحيفة الأخبار:
اعتبر رئيس الجمهورية جوزيف عون ان «التوقيت غير مناسب الآن» للقاء مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، اذ «علينا اولاً ان نتوصل الى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية علينا، قبل ان نطرح مسألة اللقاء بيننا». وقال أمام وفد من نواب القوات اللبنانية انه «لا عودة عن مسار المفاوضات لأنه لا خيار آخر أمامنا»، وإن «الأهداف الموضوعة في أي مسار تفاوضي تقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الاسرى وهي الحقوق التي يطالب بها لبنان منذ سنوات».
غير أن زوار عون نقلوا عنه تزايد الضغوط الأميركية عليه، وأن زيارته إلى الولايات المتحدة قد لا تتم بسبب رفضه هذا الاجتماع. وبناء على ذلك، نقل مسؤول كبير إلى جهات سياسية في لبنان معطيات وردت من جهات أميركية تشير إلى أن زيارة عون لواشنطن باتت مستبعدة، وأن رئيس الجمهورية حصل على ما يكفي من الإحاطات الداخلية والخارجية خلال الأيام العشرة الماضية، ما يجعله يعتقد بأن الزيارة والاجتماع مع نتنياهو لن يخدماه ولا يخدمان حتى فكرته عن التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق. كما أنه صار أكثر قناعة بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الضغط على إسرائيل لوقف شامل لإطلاق النار الآن، وأنها تريد أن يكون بندا وقف إطلاق النار والانسحاب على طاولة التفاوض بعد اجتماعه مع نتنياهو.
وبحسب هذه المصادر، فقد سأل عون الموفد السعودي يزيد بن فرحان عن موقف بلاده من التفاوض والاجتماع مع نتنياهو، وأن المسؤول السعودي أكد له دعم الرياض للتفاوض المباشر باعتباره المخرج الوحيد المتاح أمام لبنان، وأنها لم تغير موقفها من حزب الله وما يقوم به، لكنها تعتقد أن الاجتماع مع نتنياهو قد يؤدي إلى رفع مستوى التوتر الداخلي بما يخلق حالاً تناسب حزب الله ولا تناسب عون والفريق الحكومي.
في هذه الأثناء، يبدو أن بيروت بانتظار مبادرة جديدة، يجري العمل عليها بين مصر وفرنسا، وأن باريس تدرس التقدم باقتراحات لبحثها مع القوى اللبنانية كافة، بما فيها حزب الله، وهو الأمر الذي تعمل عليه القاهرة أيضاً. لكن المشكلة في هذه المبادرة هي أن لا باريس ولا القاهرة تملكان موافقة أميركية على أي مبادرة تختلف عن طرح التفاوض المباشر بإشراف أميركي. وهو ما يجعل الموقف من الحركة الفرنسية - المصرية شديد الحذر من قبل أركان الحكم.
في هذه الأثناء، واصلت الولايات المتحدة ممارسة الضغط المباشر على لبنان، بالتوازي مع تسريبات إسرائيلية عن أن حكومة نتنياهو لا تشعر بجدوى من الحديث مع لبنان الآن، وأن الحكومة اللبنانية غير قادرة ولا تريد مواجهة حزب الله. لكن تل أبيب تقول إنها لن تعارض أي تواصل مع لبنان، من دون إلزامها بأي خطوات على الأرض قبل ضمان آلية لنزع سلاح حزب الله.
ويتولى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إدارة حملة الترويج للقاء عون - نتنياهو، ويكرر القول إنها خطوة «لا تشكّل خسارة للبنان ولا تنازلاً»، خصوصاً إذا جرت برعاية الرئيس دونالد ترامب. وبحسب العارفين، يجهد عيسى لعقد هذا الاجتماع بأي ثمن وبأي طريقة لأنه يعتبره إنجازاً سياسياً له. علماً أن المعلومات الواردة من العاصمة الأميركية تشير إلى أنه بات خاضعاً لقيود من قبل وزير الخارجية ماركو روبيو.
يبدو عون مدركاً أن زيارة واشنطن لن تتم ما لم يقابل نتنياهو، وإسرائيل تعتبر المحادثات من دون جدوى وتسعى إلى رفع الحظر عن قصف بيروت
غير أن جوهر المقاربة الأميركية يتجاوز مجرد لقاء بروتوكولي، ليصل إلى محاولة صناعة صورة سياسية كاسرة للمحرّمات، تُستخدم لفتح مسار تفاوضي جديد من خارج الأطر التقليدية، وبما يفرض واقعاً سياسياً مختلفاً على لبنان. وهذا الطرح لا يُقدَّم كخيار تفاوضي عادي، بل كاختراق سياسي مطلوب بحد ذاته، يُراد له أن يشكّل نقطة تحول في طبيعة التعاطي مع الصراع، وأن يفتح الباب أمام مسار جديد يبدأ من الرمزية السياسية لا من التفاهمات التقنية. وفي خلفية هذا الدفع، يظهر بوضوح أن واشنطن تنظر إلى رئاسة الجمهورية في لبنان كمدخل إلزامي لأي إعادة صياغة للمعادلة، ما يضع الرئيس عون تحت ضغط مزدوج: ضغط خارجي يسعى إلى الدفع نحو خطوة عالية الحساسية، واعتبارات داخلية تجعل من الخطوة فتيل انفجار.
ما تقوم به واشنطن، وما يعمل عليه عيسى يستهدف بناء غطاء داخلي لأي خطوة محتملة، عبر اتصالات تشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري وقوى سياسية أخرى، إلا أن هذا المسار يصطدم بجدار من التحفظات، يقوم على رفض أي تفاوض مباشر قبل وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل وإطلاق سراح الأسرى، ما يعكس حدود القدرة على تمرير الطرح الأميركي، حيث أكدت مصادر مطلعة أن عيسى حاول مجدداً أمس إقناع بري بتأمين غطاء سياسي لزيارة واشنطن، لكن بري رفض، مشترطاً «وقف النار، والانسحاب، وتحرير الأسرى، قبل أيّ بحث في صيغة جديدة غير الميكانيزم التي يعتبرها كافية إذا ما كانت فعالة».
وقد حضرت محاولة تأمين الغطاء السياسيّ بصورة أوضح، خلال استقبال الرئيس عون وفد تكتل «الجمهورية القوية» برئاسة النائبة ستريدا جعجع، في زيارة كانت واضحة في توقيتها ومضمونها، وكأنها افتتاح لمسار دعم الكتل النيابية لزيارة عون إلى واشنطن، إذ قالت جعجع إنّ «لبنان وصل إلى التفاوض مع إسرائيل بسبب تورّط حزب الله في الدفاع عن بلد آخر، لا حبّاً بالتفاوض»، مضيفة أننا «نشدّ على يد الرئيس عون ونقول له نحن إلى جانبك». وكذلك الأمر في زيارة عيسى إلى بكركي للقاء البطريرك بشارة الراعي، حيث اعتبر أن زيارة عون لواشنطن «ستتيح وضع مطالب لبنان على الطاولة». وعندما سُئل عن لقاء محتمل بين عون ونتنياهو قال «شو نتنياهو بعبع. يمكن للرئيس عون أن يطلب ما يريد وحينها يقرر نتنياهو الموافقة أو لا»!