مقالات

الوزير يوسف رجي برتبة «مُسيّر معاملات» في الوزارة.. امتعاض قواتي يتفجر في العلن: لماذا يُمنع يوسف رجي من مرافقة الرؤساء؟!

«ما في غياب لوزير الخارجية، في تغييب لوزير الخارجية»؛ هكذا اختار رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية، شربل عيد، أن يرثي حضور وزيره عبر شاشة قناة «الجديد»، محاولاً تصوير المشهد كأنه مؤامرة إقصاء منظمة تقودها بعبدا والسراي بحق رأس الدبلوماسية اللبنانية. خرج عيد متسائلاً باستنكار عن سبب تجوال رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في عواصم القرار الدولية دون اصطحاب رجي، وعن سر حرمان «القوات» من مقعدها البروتوكولي في وفود تجوب واشنطن وأنقرة وأثينا، في محاولة حزبية مكشوفة لخلع ثوب الضحية على وزيرٍ تُجمع كل المؤشرات على أنه تنازل طوعاً عن وزنه قبل أن يُسحب منه، وفضّل الاسترخاء في الظل على خوض غمار الدبلوماسية الحقيقية في أصعب مراحل البلاد.

هذا النواح الإعلامي لم يتوقف عند شاشات التلفزة، بل سرعان ما تحول إلى «غزوة رقمية» على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، حيث استنفر جمهور القوات اللبنانية وجيوشه الإلكترونية في حملة تضامن واسعة ومحمومة مع يوسف رجي، متسلحين بـ«هاشتاغات» تندد بما اعتبروه «حصاراً يفرضه العهد» على الوزير السيادي. ومارس المغردون طقوس المظلومية المعتادة، مروجين لصورة «الوزير المستهدف لأنه لا يساوم»، في محاولة بائسة لصناعة بطل وهمي على العالم الافتراضي للتغطية على هزاله في العالم الواقعي، والتعمية على حقيقة أن بطلهم الافتراضي لا يجرؤ حتى على دخول مكتبه لممارسة مهامه.

فخلف ستار مظلومية «التغييب المتعمد» وحملات «إكس» المصطنعة، ترتسم مفارقة فاضحة تكشف بؤس الأداء مقارنة بالماضي القريب؛ فحين حاول رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي تجاوز وزير الخارجية الراحل عبد الله بو حبيب في ملف مفاوضات الترسيم مع الموفد الأميركي عاموس هوكشتين، لم يلوذ الأخير بالصمت ولم يهرب من المواجهة ليختبئ خلف تغريدات المناصرين، بل قاطع جلسات الحكومة وفضح محاولات احتكار القرار في الإعلام وأوصل اعتراضه الصارم إلى دوائر واشنطن، منتزعاً هيبة وزارته انتزاعاً ورافضاً البصم على تجزئة القرار 1701. أما يوسف رجي، فيلوذ اليوم بصمت مريب حيال التجاهل الأميركي التام له ولقنوات حزبه، ويبتلع الإقصاء تلو الآخر من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام دون أن يجرؤ حتى على الاعتراض؛ إذ لم يقتصر الأمر على تركه خارج طائرات الوفود الرسمية، بل بلغ حد تكليف وزير الدفاع ميشال منسى بتمثيل الرئاسة في صربيا في سابقة تعكس حجم الاستخفاف بوزيرٍ بات وجوده الشكلي عبئاً على الملفات الدبلوماسية.

والواقع أن ذروة السخرية السياسية تكمن في نمط حياة الوزير نفسه داخل بيروت؛ فبينما يصر حزبه وناشطوه على ضجيج المؤامرة، كشفت صحيفة «الأخبار» نقلاً عن مصادر وعاملين في قصر بسترس أن وظيفة رجي تدنت إلى ما دون رتبة الأمين العام للوزارة، ليتحول عملياً إلى مجرد مدير لتسيير المعاملات وتوقيع الأوراق الإدارية الروتينية، مع غياب كامل لأي وزن أو مبادرة سياسية. وتتعاظم الكوميديا السوداء مع الترويج لـ«دواعٍ وتحذيرات أمنية» لتبرير انقطاعه المتواصل عن دوام الوزارة وإهماله لأقدس واجباته كرفع الشكاوى لمجلس الأمن ضد الاعتداءات المتواصلة، في الوقت الذي يبدو فيه أن هذا «الخطر الأمني المزعوم» يتوقف سحره على عتبات قصر بسترس فقط، ليتبخر تماماً حين يُشاهد معاليه وهو يستجم بأريحية مطلقة في المقاهي الفارهة والمنتجعات السياحية، وكأن أمن الدبلوماسي مهدد بالعمل لا بالاستجمام.

ولم تنتهِ مسرحية العجز عند حدود الهروب من المكاتب، بل تجلت خيبتها الكبرى في «أم المعارك» التي حاولت معراب تسويقها كانتصار سيادي تاريخي، حين أقدم رجي على إعلان السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب فيه؛ فما هي إلا أيام معدودة حتى صُفع الوزير وحزبه بقرار من الدولة العميقة منح شيباني إقامة رسمية لستة أشهر، في تراجع أفرغ قرار الخارجية من كل قيمة وكرّس رجي كوزيرٍ لا يملك من أمره شيئاً. هذه الضربة عرت المأزق الاستراتيجي للقوات اللبنانية، التي اعتادت ابتزاز المشهد بكونها «رأس الحربة الوحيد» وصاحبة السقف الأعلى المقبول خارجياً في مواجهة سلاح حزب الله، لتكتشف متأخرة أن صعود الرئيس جوزيف عون سحب من تحت قدميها بساط الوكالة الحصرية والرعاية الدولية، تاركاً معراب تصرخ عبر الشاشات ومواقع التواصل تضامناً مع وزيرٍ أسقط نفسه بنفسه بين كراسي المقاهي، وحسابات الـ«Retweet»، وأوراق البريد الوارد.