منوعات

جاء يبحث عن علاج فتنمر البعض عليه.. فعاد محمولًا على أكتاف محبة الشعب وصوره انتشرت في كل الأماكن

طوال خمسة عشر عاماً، عاش السوريون غربةً قسرية داخل حدود بلادهم، حيث قطّعت أوصال الجغرافيا مخاطرُ الطرق وتهديدات الاعتقال والخطف، ليحرم المواطن من أبسط حقوقه في التنقل بين مدنه. لكن المشهد اليوم تبدّل؛ فما كان مستحيلاً بالأمس صار واقعاً تلتئم معه الجراح، وبات ابن درعا يطرق أبواب طرطوس، وأبناء إدلب يزورون اللاذقية، فيما يحزم القادمون من أقصى الشمال الشرقي حقائبهم نحو العاصمة، كما فعل الشاب وسيم الحمام، ابن قرية تل الصفا بريف رأس العين بمحافظة الحسكة، ليمارس حقه الطبيعي في استكشاف دمشق.

قصد وسيم العاصمة السورية بحثاً عن بداية لبرنامج علاجي يخفف من وطأة شلل وشد عصبي يلازمه ويؤثر في حركة أطرافه وطلاقة لسانه. وكأي زائر يبتهج بمعالم وطنه، وقف في ساحة الأمويين أمام نصب "السيف الدمشقي" ليلتقط صورة تذكارية بملابسه الشعبية البسيطة. بيد أن رحلته الاستشفائية سرعان ما اصطدمت بموجة تنمر قاسية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق بعض المعلقين عبارات ساخرة لاحقت بساطة ثيابه ومظهره القروي، متناسين الألم الذي يحمله، ما دفع الشاب المكلوم لقطع رحلة علاجه والمغادرة عائداً إلى قريته بعد يومين فقط، مكتفياً بالرد على من أساءوا إليه بكلمات تفيض بالتسليم: "حسبي الله ونعم الوكيل، الله يهديهم".

سرعان ما انقلبت محنة وسيم إلى ملحمة تضامن وطني واسعة تجاوزت العالم الافتراضي إلى أرض الواقع. فقد تصدى آلاف السوريين لحملة التنمر، مؤكدين أن ساحة الأمويين ودمشق تتسعان لكل أبناء البلاد دون تفريق بين مظهر أو لهجة، معتبرين أن عفوية وسيم تمثل طيبة الأرض وعفتها. وتوج هذا الالتفاف الشعبي باعتذار رمزي عميق؛ إذ أضاءت المؤسسة العربية للإعلان شاشاتها الضخمة في ساحة الأمويين بصورته مرفقة بعبارة: "ابن الحسكة نورت الشام".

وعلى الصعيد الرسمي والمجتمعي، توالت مبادرات التقدير للشاب؛ إذ كرّمه مدير منطقة رأس العين وقائد الأمن الداخلي بالمدينة بإهدائه مجسماً لـ "السيف الدمشقي"، تأكيداً على أن الزي الذي يرتديه هو هوية الجزيرة السورية وثقافتها الأصيلة التي يُعتز بها، وأن الإساءة له مساسٌ بكرامة المجتمع بأسره. كما تواصل معه مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر والقبائل للاطمئنان على وضعه وتقديم الدعم اللازم له، لتتحول مأساة عابرة إلى درس في اللحمة المجتمعية، عنوانه أن سوريا لا تُبنى بالإقصاء بل باحتضان أبنائها بكل أطيافهم.