لم يعد التوتر في مضيق هرمز محصوراً بناقلات النفط والبوارج الحربية، فهناك جبهة أخرى قد تشتعل تحت سطح البحر، حيث تمر كابلات الإنترنت التي تربط دول الخليج بالعالم، وتنقل عبرها كميات هائلة من البيانات والاتصالات والمعاملات المالية.
ومع رصد تحركات غير اعتيادية لأربع سفن مرتبطة بإيران قرب مسارات الكابلات البحرية، تتصاعد المخاوف من احتمال أن تتحول هذه البنية التحتية الحساسة إلى هدف في أي مواجهة عسكرية مقبلة، رغم عدم وجود أدلة تثبت تنفيذ عمليات تخريب حتى الآن.
لكن أين تقع هذه الكابلات، وعلى أي عمق؟
المفارقة أن مياه الخليج ليست عميقة كما يعتقد كثيرون، إذ يبلغ متوسط عمقها نحو 36 متراً، فيما تصل الأعماق في بعض المناطق القريبة من مضيق هرمز إلى نحو 100 متر، قبل أن تنحدر تضاريس القاع باتجاه خليج عمان، حيث تصل الأعماق إلى آلاف الأمتار.
والأكثر إثارة أن كابلات الإنترنت ليست أنابيب ضخمة كما قد يتصور البعض، بل إن قطر بعضها لا يتجاوز سنتيمترين، وقد يصل إلى نحو خمسة سنتيمترات مع طبقات الحماية. وفي المياه الضحلة، تُدفن عادة تحت قاع البحر بعمق يقارب المتر، وأحياناً أكثر، لحمايتها من المراسي وشباك الصيد، بينما تمتد أجزاء أخرى مباشرة فوق القاع.
ماذا يحدث إذا أقدمت إيران فعلاً على قطعها؟
قد تبدأ الأزمة بتباطؤ شديد في الإنترنت واضطراب الاتصالات الدولية، لكن التداعيات قد تتجاوز ذلك سريعاً لتطال المصارف والتحويلات المالية والبورصات والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية التي تعتمد عليها قطاعات اقتصادية حيوية.
وتبدو قطر والبحرين والكويت والعراق من الدول الأكثر عرضة للتضرر، نظراً لاعتماد جزء مهم من اتصالاتها الدولية على المسارات البحرية العابرة للمضيق، فيما تتمتع السعودية والإمارات بمسارات بديلة قد تخفف من حجم الصدمة.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في استهداف عدة كابلات في وقت متزامن، ما قد يتسبب في اختناقات واسعة داخل شبكات الاتصالات، خصوصاً إذا تجاوز حجم البيانات قدرة المسارات البديلة على الاستيعاب.
والمشكلة أن إصلاح الكابلات قد يكون أصعب من قطعها.
فالسفن المتخصصة تحتاج إلى تحديد موقع العطل، وانتشال أطراف الكابل وإصلاحها ثم إعادتها إلى قاع البحر. وهي عمليات دقيقة قد تستغرق أسابيع في الظروف الطبيعية، وقد تمتد إلى أشهر إذا منعت التوترات العسكرية وصول فرق الصيانة.
وهنا يظهر سيناريو بالغ الخطورة، يتمثل في عدم الاكتفاء بإتلاف الكابلات، بل منع إصلاحها أيضاً، بما يحول عطلاً تقنياً محدوداً إلى أزمة اتصالات واقتصاد طويلة الأمد.
لكن ماذا يمكن أن تفعل الولايات المتحدة إذا ثبت تورط إيران؟
قد تبدأ واشنطن بتكثيف انتشارها البحري ومراقبة السفن المشتبه بها، وتأمين ممرات آمنة لسفن الصيانة، بالتعاون مع دول الخليج.
وقد يتطور الرد إلى فرض عقوبات جديدة، أو تنفيذ عمليات سيبرانية مضادة، أو اتخاذ إجراءات عسكرية محدودة ضد الجهات التي يثبت تورطها في التخريب، إذا اعتبرت واشنطن أن الهجوم يهدد مصالحها الحيوية أو أمن حلفائها.
لكن اتخاذ قرار عسكري لن يكون بهذه البساطة، إذ إن تحديد المسؤول عن تخريب الكابلات تحت الماء قد يحتاج إلى تحقيقات معقدة، كما أن أي ضربة أميركية قد تستدعي رداً إيرانياً يوسع دائرة المواجهة إلى ناقلات النفط والمنشآت الاقتصادية والقواعد العسكرية في المنطقة.
وهل يمكن أن ينقطع الإنترنت عن العالم؟
رغم الأهمية الاستراتيجية للكابلات البحرية التي تحمل الغالبية الساحقة من حركة البيانات الدولية، فإن قطع الكابلات العابرة لمضيق هرمز لن يؤدي إلى انهيار الإنترنت عالمياً، لكنه قد يضرب شبكات الاتصال في عدد من دول الخليج بصورة قاسية.
والأمر الذي قد يغيب عن كثيرين أن الأقمار الصناعية، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع بسهولة تعويض السعات الهائلة التي تنقلها كابلات الألياف الضوئية تحت البحار.
كما أن المنطقة أصبحت مركزاً متنامياً للاستثمارات في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، ما يجعل أي اضطراب واسع في الاتصالات الدولية مصدر قلق لشركات عالمية، وليس لدول الخليج وحدها.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو أن يتحول استهداف الكابلات إلى شرارة لحرب إقليمية أوسع.
فإذا تزامن تعطيل الاتصالات مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز، قد تجد المنطقة نفسها أمام أزمة مزدوجة تضرب شرايين النفط والإنترنت في الوقت نفسه، بما يحمله ذلك من مخاطر على التجارة والأسواق العالمية.
ومع ذلك، تبقى هناك احتمالية أن تكون التحركات البحرية والتهديدات جزءاً من سياسة ردع ورسائل ضغط، تهدف إلى إظهار القدرة على إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة من دون الدخول مباشرة في مواجهة عسكرية شاملة.
الخطر الحقيقي هنا أن الحرب المقبلة، إن اندلعت، قد لا تبدأ بقصف المدن أو إغراق السفن، بل باستهداف كابلات لا يتجاوز سمك بعضها بضعة سنتيمترات، لكنها تحمل عبرها شرايين الاقتصاد والاتصال. ففي عالم بات يعتمد على الإنترنت في كل تفاصيله، قد يصبح قطع كابل في قاع البحر أشد تأثيراً من ضربة عسكرية تقليدية.