1,580 مشاهدة
A+ A-

تحت عنوان "العمّ رياض اللالا... لم تعد الكعكة الطرابلسيّة خبز الفقير" كتبت جودي الأسمر في النهار:

 منذ السابعة صباحًا، يقف رياض اللالا وراء عربة كعك مظللة بشمسيّة ملوّنة، كان يجوب بها شوارع طرابلس منذ خمسين سنّة، ليؤمّن بها خبز يومه "لكن المصلحة تدهورت من السماء الى الأرض"، وفق البائع السبعيني، الذي ينتظر زبونَا يمرّ في شارع ضيق يربط التل بالسرايا العتيقة، حيث تجمّدت حركة البيع والشراء منذ بداية الأزمة.

"لم تعد الكعكة تجذب المارّة"، بسبب غلائها نسبة للقدرة الشرائية للبنانيين التي تدهورت بنسبة تجاوزت 80% توازيًا مع هبوط قيمة الليرة. وبيّن المسح الذي أجرته اليونيسف حديثًا ونشرت نتائجه في تموز 2021، أنّ 77% من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء.

يشير رياض إلى صنفي الكعك الذي تقدّمه العربة، كسائر العربات المنتشرة في طرابلس، "العصروني بألفي ليرة، والمشبّك بخمسة آلاف. إن مرّ ربّ أسرة مكوّنة من أربعة أفراد، أعرف أنه لن يشتري كعك بـ20 ألفًا".

ولا يستطيع البائع اليوم "تدليل" الكعكة كما في السابق، فيحشوها فقط بـ"الجبن العكاوي. أمّا سعر علبة "البيكون" فبلغ 75 ألف ليرة، والزبدة لم أعد أستعملها إطلاقًا".

ويستند الى عيد الأضحى في تموز الماضي ليقيس هول هذا التراجع "كنّا نبيع 600 كعكة قبل العيد؛ في العيد الأخير بعت حوالي 100 كعكة فقط"، إذ عادة ما تشكّل الأسبوع السابق الأعياد في شوارع طرابلس مناسبة للنزهة والاستمتاع بالمشي في الأسواق تضاهي أجواؤها فرحة العيد.

وللكعكة الطرابلسية أو التي تكنّى بـ"الكعوكة" حصّة لا تلغى من طقوس العيد. يشتريها الأمهات والأطفال خلال نزولهم الى السوق، وغالبًا ما يرافقها عصير "البونجوس"، فتنشط عربات الكعك في هذا الموسم، بقدر محلات الملابس والأحذية والشوكولا والحلويات. في المقابل، انعكس جمود الأسواق على بيع الكعكة الطرابلسية التي كانت تعدّ من مأكولات الشارع التراثية وأقلّها كلفة، علاوة على أنّ هذه الكعكة عادة ما يشتريها المارة الفقراء، ولا تجد لها زبونًا بين أبناء الطبقة الميسورة، بمعنى أنّ الكعكة فقدت شريحتها الاستهلاكية.

وفيما لم تعد الكعكة بمتناول الفقير والناس بالكاد تجد خبزًا في الأفران، حاول البائع التحايل على الأزمة، فاشترى بضعة ربطات للخبز، وصار يخبئها في عربته ويبيعها للمارّة إن تقطّعت بهم السبل لفرن قريب.

وينزل  نعيم اللوز، الأب لصبي وابنتين، من منزله الكائن في حارة من سوق الصاغة، لجرّ عربة الكعك حتى مدخل سوق العطارين. ينوي شراء خضار ليضيفها إلى الكعك الذي يبيعه، يقول "أربح يوميًا بحدود خمسين ألف ليرة، إن استثنينا من ثمن الكعكة تكلفة الفحم والكعك والجبن"، مشيرًا إلى أنّه يبيع الكعكة بأربعة آلاف ليرة، إذ يفضل تخفيض هامش الربح "لأنني موجود في منطقة شعبية ويجب أن أشعر بالناس".

أمّا عدنان عبد الرحمن، بائع للكعك في شارع الراهبات، يصرّ على إضافة السّمّاق للكعك بالجبن فـ"سعره لا يزال رخيصًا ويعطي مذاقًا مميزًا للكعك"، إلّا أنّ أحواله تدهورت بشكل كبير، بعدما "انخفضت المبيعات الى 25 كعكة يوميًا فقط".

الأب لسبعة أطفال يعمل في بيع الكعك منذ أربعين سنة، مقيم في محلة المهاترة التي أكل عليها العوز وشرب. يشكو أمراضًا مزمنة في القلب والضغط والرئتين، ولا معيل "سوى الله"، وقد عجز منذ شهور عن تأمين ثمن دوائه. ينتظر بصبر زبونًا، فيخيب أمله. وحده أحد المتسولين المعروفين في المحلة يقصده، وقد موّه وجهه بزيت أسود. يقترب الشاب من عبد الرحمن فيعطيه كعكة بعدما وضع فيها شريحتي جبن وسخنها لبعض الوقت. وفيما يبتعد المتسول، يردّد البائع "أنا أيضًا شحاذ".

وعبثًا حاول أبو أحمد، بائع الكعك في سوق النحاسين منذ سبع سنوات تطوير مهنته. حاول "إضافة المرتاديل، والزبدة، وتحويل العربة الى موتوسيكل مهربائي، واستخدام السخان الكهربائي، وتلبية الناس عبر خدمة الواتساب"، إلا أنّ "الأمور ساءت بشكل ملحوظ، وبتّ لا أبيع أكثر من 25 كعكة يوميًا. أمّا الاضافات الاخرى للجبن، فباتت خارج الحسبان".

وكان أبو أحمد قد ركن عربته على مدخل أحد المساجد، التي كلفته بصناعة كعك ليقوم المسجد بتوزيعها خلال مناسبة دينية.

في سياق ممتدّ عبر الزمن، لا يمكن تقريش أزمة الكعك بالبعد المعيشي فقط، بدون التطرق الى قيمتها الاجتماعية. فقد كانت "الكعكة الطرابلسية" مكونًا لا يجتزأ من طقوس الأعياد الطرابلسية، وأكلة لا تفوّت، تنثر البهجة في شوارعها، ولقمة تؤمّن الشبع لمن يشتهيها من المارّة في مناطقها الشعبية، وقد توزّع بالمجان. اليوم، غداً باعة الكعك عيّنة من ضحايا الفاقة وانعدام الرزق، بعدما عاشوا أعمارهم يطيلون عمر الكعكة، لتشتهر كواحدة المأكولات الشعبية في طرابلس، يشتاقها المغترب وتثير حشرية الغريب؛ لم تعد هذه الكعكة "خبز" الفقير، سواء لمن يأكلها أو يبيعها.

(جودي الأسمر - النهار)


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • إليكم أسعار المحروقات بحسب الجدول الجديد بعد رفع الدعم تتمة...
  • بالفيديو/ قصر العدل في بعبدا.. "عالعتمة"! تتمة...
  • المستوردون يتراجعون عن الاتفاق على التسعير بـ 80% من سعر الصرف: كارتيل الأدوية... عودة إلى الابتزاز تتمة...
  • "بلد بلا طير ما فيها خير".. أزمات لبنان أنقذت الطيور من مجازر "القواص" المُخالفة ونكبت الصيادين! تتمة...