لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
32,298 مشاهدة
A+ A-

لا يمكننا أن نخبئ النجاح أو نثبت عكسه، ولو اصطفت عشرات الأعمال، وهذا ما أثبته مسلسل "الزند: ذئب العاصي" منذ الحلقة الأولى. ومع اقتراب الحلقات النهائية وتصاعد مفاجآته غير المتوقعة مشهداً إثر مشهد صار مؤكّداً أنّه حالة فرضت نفسها على الساحة الرمضانية، مثبتاً أنّ العمل الجيد لا يحتاج إلا لموهبة وإيمان حقيقي بقدرات القائمين على العمل.

 "بدايتها مسك"، بهاتين الكلمتين يمكننا أن نبدأ بالحديث عن مسلسل "الزند: ذئب العاصي"، وذلك قبل أن نغوص بالتفاصيل الساحرة، حيث تسرقنا الشارة. الشارة التي يقول البعض أنّ أصلها عتابا معظمها لشعراء ومطربي سهل الغاب في الساحل السوري الذي يخترقه نهر "العاصي"، وأنه تم غناؤها من قبل العديد من الفنانين السوريين ومنهم عادل خضور، فؤاد غازي وبرهوم رزق، الذين حملوها وحفظوها بأصواتهم الشجية. رأي آخر يقول إنها تعود للفنانة نوفة البدوية، وهي مطربة قديمة جداً من ريف حمص السوري، وقد تم أخذ أحد مقاطعها لتكون بداية شارة المسلسل. والمطربة تغني باللون البدوي والجبلي أيضاً، ومشهور عنها هذا البيت من العتابا، حيث تقول "يا ليلى الناس بغرامك ولوعين.. بنار محبّتك يا ماما ملوعين.. المها لو لُه عنق متلِك ولو عين.. لَكانوا يحرّموا يصيّدوا العرب"، وفق ما هو موجود في الشارة تماماً.

الشارة وحدها حظيت بنجاح وانتشار لا مثيل له، رغم أنّها بعيدة كل البعد عن الشارات التي اعتدنا سماعها في الأعمال الجديدة أو حتى أغاني الـ"تيك توك" الرائجة، وهذا إن كان يدل على شيء، فهو يدل على أنّه لا زال للجمال والفن مكان ما.

والجدير بالذكر أنّ المسلسل من إنتاج سيدرز آرت برودكشن (صباح إخوان)، رئيس مجلس إدارتها صادق الصباح، الذي أثبت على مدى الأعوام الماضية تألقه باختيار الأعمال الناجحة والتي فرضت نفسها بقوة في السباق الرمضاني. فبات اسم الصباح له وقعه على صعيد الانتاج التلفزيوني، لا بل الأول في المجال، وهذا إن دل على شيء فيدل على التأني والجهد الذي يتم بذله من أجل الدخول في هكذا أعمال إنتاجية ضخمة.

وبالعودة إلى تفاصيل المسلسل الذي تدور أحداثه في زمن الإقطاع ومرحلة الاحتلال العثماني، وتم تصويره في سوريا وتحديداً في حمص وبعض المشاهد في تركيا ولبنان، والذي يروي قصة على ضفاف نهر العاصي، استطاع الممثل تيم حسن أن يعود مجدداً من باب التمثيل العريض، ففرض موهبته مجدداً، حاصداً محبة وتأثير المشاهدين بـ "شنبه"، وهذا ما هو ليس مستغرباً. عاصي الزند، الذي يصارع الإقطاع السياسي والاستبداد بشكله الأرعن المتخلف مُدافعًا عن الفلاحين، أصبح شخصية تضحكنا تارة بأقواله المقتبسة حسب "ذوقه" عن نيتشه وتارة يبكينا لحظة موت شقيقته بين يديه.

ليس تيم وحده من أبدع، فإلى جانبه، وقف الممثل الشاب أنس طيارة، معلناً أنّ نجماً آخر قد ولد. الإقطاعي نورس باشا الذي يستفزنا في كل مشهد له وهو يتعامل بفوقية مع الفلاحين، سارقاً أراضيهم وجنى أعمارهم، ماضياً وكأنه لم يفعل شيئاً.

إلى جانب هذين النجمين، لمع ممثلون كثر أبرزهم فايز قزق، رهام القصار، فيلدا سمور، باسل حيدر، نانسي خوري، نهال الخطيب، مازن عباس، فؤاد وكيل، وسام رضا وغيرهم.

ولا يمكن أن ننسى "نجاة"، الممثلة دانا مارديني، التي تنعش في قلوبنا أملاً بأنّ ما زال هناك فرصة للوجه الطبيعي بتعابيره الحقيقية، البعيدة كل البعد عن "البوتوكس" و"الفيلر"، مثبتة أنّ الموهبة لا تحتاج إلى أي تجميل.

دور دانا لم يقتصر هنا، فاللافت في المسلسل الدور الكبير الذي منحه للمرأة، مبتعداً عن الدور التقليدي الذي اعتدنا عليه في مسلسلات الماضي. دور النساء كان لافتاً في قلب الموازين، فهي الممرضة، المثقفة، الأم، التي تخطط وتنفذ وتحب.

كل هذه التوليفة، أتقن صناعها اللهجة الساحلية، التي اعتبر كثر أنّهم أعادوا مجدها، معتبرين أنّهم نجحوا بإخراجها من القالب الكوميدي والساخر وحتى الاستخباراتي. اللهجة التي كان من الصعب أن تقترب بسهولة من المشاهدين، إلى أنّها نالت إعجابهم وعملوا على تفكيك شيفراتها بمحبة.

بالإضافة إلى اللهجة، جذب التصوير والموسيقى والإضاءة الانتباه. فكل ما بني عليه المسلسل، يجسد الجهد المبذول وضخامة الإنتاج. كل مشهد عبارة عن صورة خالدة بذاتها، بدقة التفاصيل التي بنيت عليه، من ملابس وديكور وغيرها من مكونات العمل. عمل أقل ما يقال عنه أنّه احترم عقل المشاهد، ولم "يضحك" عليه.

وهنا لا بد من الوقوف عند كاميرا المخرج سامر البرقاوي، التي لولاها لما رأينا كل ما رأيناه، فأبدع بصنع المشهد فأخرج لوحة فنية خالصة. واستطاع مجدداً أن يحول القصة إلى ملحمة تاريخية بكل تفاصيلها.

مرة جديدة تثبت الدراما السورية مكانتها، معيدة المجد للفن الراقي الذي يبنى على قصة ويجسدها بحذافيرها دون "أوفرة". مشاهد أعادتنا إلى ذلك الزمن، جعلتنا من داخلنا نثور مرة جديدة على الظلم، ونحارب الاقطاع، نقف أمام الأرض أغلى ما نملك ونرفض أن يسلب منّا تعبنا ورزقنا.

رغم أنّ حلقات المسلسل باتت على وشك النهاية، إلا أنّ النجاح الذي حققه لن ينتهي، سيبقى علامة فارقة في تاريخ الدراما. وربما يصبح مرجعاً تعود إليه الأجيال القادمة، لتعرف المزيد عن تلك الحقبة، وتغرق في تفاصيلها التي رسخها صانعو العمل بكل دقة، فما ترسخه الدراما أكثر تأثيراً من أي وسيلة أخرى. ربما هذا أكثر ما نحتاجه اليوم، بدلاً من الزحف والبحث في الانتاج العالمي عن عمل يستحق المتابعة، أن نؤمن أنّ ما زال لدينا فناً حقيقياً وأنّ هناك قدرة على فعل ذلك. ايه في أمل، مرات بيطلع من ملل.

زينب بزي - بنت جبيل.أورغ

 


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • الحز. ب يعلن ‎استهداف ‌‌‌‌‏موقع ‏الراهب بالأسلحة الصاروخية وإصابته إصابة مباشرة
  • القناة 12 العبرية: إطلاق صاروخ إتجاه قاعدة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي في مرتفعات الجولان دون أن تدوي صفارات الإنذار
  • وزير الخارجية اللبناني: لبنان مستعد للتفاوض غير المباشر لأنّ الخيار الآخر أمامنا هو خطر إتساع رقعة الحرب لتصبح حرباً إقليمية
  • سقوط عدد من القذائف الإسرائيلية في محيط وادي السلوقي