علي منصور
لم تكن المفاوضات التي جرت بين واشنطن وكراكاس في أواخر ولاية دونالد ترامب الأولى مجرّد مناورة تكتيكية، بل مسارًا حقيقيًا كاد أن يتحوّل إلى واحدة من أكبر الصفقات الجيوسياسية في أميركا الجنوبية. المشكلة لم تكن في مضمون الصفقة ولا في استعداد الطرفين، بل في اللحظة السياسية التي وُضِعت فيها على الطاولة.
في أواخر عام 2019 وبدايات 2020، قاد ريتشارد غرينيل ، أحد أكثر وجوه إدارة ترامب صدامية، والمكلّف عادةً بإدارة القنوات الخلفية في الملفات الشائكة، والذي شغل منصب السفير الأميركي لدى ألمانيا بين عامي 2018 و2020، ثم عُيّن قائمًا بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية في عام 2020، قناة تفاوض غير معلنة مع فنزويلا حملت عرضًا أميركيًا بالغ القسوة والوضوح: فتح قطاع النفط الفنزويلي أمام الشركات الأميركية بعقود طويلة الأمد تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات، تحويل مسار الصادرات النفطية من الصين إلى الولايات المتحدة، وفكّ الارتباط الاستراتيجي مع بكين مقابل إعادة إدماج فنزويلا اقتصاديًا في المنظومة الغربية.
كان هذا العرض صفقة مكتملة العناصر، لا اختبار نوايا. والأهم أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يرفضه. على العكس، أبدى استعدادًا غير مسبوق للذهاب بعيدًا في التنازلات، معتبرًا أن الصفقة – رغم كلفتها السياسية – تشكّل مخرجًا من حصار اقتصادي خانق يهدد بنية الدولة نفسها. راهن مادورو على البقاء في الحكم، ولو ضمن شروط أميركية قاسية.
ترامب الصفقات: الاستعداد موجود… لكن التوقيت قاتل
خلافًا لما يُشاع، لم يكن ترامب رافضًا للصفقة في تلك المرحلة. بل كان مستعدًا لها من حيث المبدأ، شرط أن تُسجَّل كنصر سياسي واضح. غير أن عام 2020 لم يكن عامًا عاديًا في الولايات المتحدة. جائحة كورونا، المعركة الانتخابية الحادة، الحملة الداخلية التي شنّها الحزب الديمقراطي لإسقاطه، والاضطرابات الواسعة المرتبطة بحركة Black Lives Matter كلّها حوّلت أي صفقة خارجية كبرى إلى عبء انتخابي محتمل.
صفقة مع مادورو كانت ستُستَخدم فورًا ضده بوصفها “تطبيعًا مع ديكتاتور” و”بيعًا للقيم مقابل النفط”. أمام هذا الواقع، لم يُلغِ ترامب الصفقة، لكنه أجّلها قسرًا، خوفًا من توظيفها انتخابيًا في معركة وجودية على الرئاسة.
ثم جاءت انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2020. خسر ترامب، ودخل جو بايدن البيت الأبيض. ومع هذا الانتقال، فقدت الصفقة راعيها السياسي. إدارة بايدن لم تكن معنية باستكمال مسار صاغه ترامب، ولا مستعدة لتحمّل كلفة صفقة كبرى تعيد تعويم مادورو. اختارت التجميد وإدارة الأزمة، وترك المسار يتآكل بصمت.
ماذا تغيّر بين 2020 و2025؟ من ترامب الصفقات إلى ترامب الإمبراطور
بين عامي 2020 و2025، لم يتغيّر السياق الدولي فقط، بل تغيّر ترامب نفسه. ما كان مقبولًا لديه في نهاية ولايته الأولى بوصفه صفقة ممكنة ومؤجَّلة، أصبح في ولايته الثانية مرفوضًا بالكامل. الفارق الجوهري أن ترامب 2020 كان رئيسًا محاصرًا داخليًا، فيما عاد ترامب 2025 بعقلية المنتصر الذي يرى أن الوقت حان لتصفية الملفات لا إدارتها.
ترامب الأول كان رجل صفقات: يفاوض، يساوم، يؤجّل، ويحسب الكلفة الانتخابية. أمّا ترامب الثاني فهو رجل هيمنة: لا أنصاف حلول، ولا تسويات انتقالية. ما كان يُناقَش كخيار براغماتي أصبح يُقرأ كتنازل غير مقبول.
الأهم أن الصراع مع الصين بات العنوان المركزي. لم يعد الهدف منافسة اقتصادية، بل منع بكين – ولو بالقوة – من التحوّل إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم. هنا، تصبح السطوة العسكرية أداة لحسم الصراع الاقتصادي، لا مجرّد وسيلة ردع.
ضمن هذا الإطار، عادت أميركا اللاتينية إلى الواجهة كـ«حديقة خلفية» يجب إحكام السيطرة عليها. نسخة صلبة من مبدأ مونرو تُعاد صياغتها: إغلاق القارة الجنوبية أمام الصين وروسيا، وإخضاعها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. فنزويلا ليست الهدف بحدّ ذاته، بل نقطة الارتكاز.
لكن هذا المسار يفتح تلقائيًا باب المواجهة مع كولومبيا بوصفها الخاصرة الأمنية الحسّاسة، ومع البرازيل بوصفها الخطر الحقيقي: دولة بحجم قاري، اقتصاد مستقل نسبيًا، وعلاقات متنامية مع الصين. في منطق ترامب الجديد، لا مكان لأقطاب إقليمية مستقلة داخل المجال الأميركي.
المكالمة الأخيرة: حين التقى الوهم بالقرار
في هذا السياق، جاءت المكالمة الشهيرة بين ترامب ومادورو في 21 نوفمبر 2025 . مكالمة وصفها مادورو بأنها مكالمة “إيجابية ودية ومحترمة " ورأى فيها فرصة لإحياء المسار التفاوضي. وقد طرح مادورو استمرار الحوار وإمكانية العودة إلى تفاهمات غرينيل، بوصفها الأرضية الأكثر واقعية للتفاهم مع واشنطن.
لكن ما اعتبره مادورو نافذة، كان بالنسبة لترامب لحظة حسم. فبعد أن عطّلته الظروف الداخلية عن إبرام الصفقة في عام 2020، لم يعد يرى في أي تسوية قيمة في عام 2025. لم يعد يريد نفطًا أو عقودًا أو تفاهمات انتقالية فحسب، بل بات يريد فنزويلا بأكملها، إضافةً إلى رحيل مادورو إلى الأبد.
حين تنتهي الصفقة ويبدأ الإقصاء
بهذا المعنى، لم تفشل صفقة فنزويلا لأنها سيئة، بل لأنها وُلدت في توقيت قاتل، ثم عادت إلى طاولة رجل تغيّر جذريًا. ما كان ممكنًا مع ترامب الصفقات، أصبح مرفوضًا مع ترامب الإمبراطور.
التجربة الفنزويلية تؤكد أن واشنطن لا تفاوض لتصل إلى اتفاق، بل لتحدّد اللحظة التي تنتقل فيها من لغة الصفقات إلى منطق الفرض، ومن إدارة الخلاف إلى حسمه بالقوة. وحين تُغلق مرحلة التفاوض، لا يُعاد فتحها، بل يُستبدل بها مسار آخر: الهيمنة أو الصدام.
علي منصور - بنت جبيل.أورغ