لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
6,055 مشاهدة
A+ A-

تبدو بنت جبيل، في مواسم الفقد، كأنها شجرة زيتون تُرغم على حمل صيفين معاً.. تتدلى اغصانها تحت ثقل الاعوام المكدسة فوق كتفيها، لكن جذورها الممتدة في صمت تحت التراب، ما تزال تقاوم عتمة الحروب التي تعيد رسم حدود الضوء فوق وجوه الناس.
المدينة التي كانت تنثر خطواتها على الطرق مثل سنابل على رياح المواسم، اصبحت اليوم تسير ببطء صخرة تجرّ ظلها، وكأن الهواء نفسه يخاف الاقتراب من أبوابها.. فالوجوه هناك ليست وجوها تماماً، بل مرايا متشققة تعكس أجيالاً لم تجد الوقت كي تُكمل نموها.. والصمت الذي يملأ الشوارع ليس فراغاً، بل حشد غير مرئي من الحكايات التي لم تجد صدراً يستوعب مرارتها..
صمت ثقيل النسيج، يلبسه الناس كل صباح كي لا يسقطوا من ثِقل الذاكرة. أما الموت، فلم يعد يمشي في المدينة كضيف ثقيل الخطوات.. صار خفيفاً، رقيقاً حد الوقاحة ولا اعتراض على حكم الله .. يعبر الأزقة كما تعبر الريح نافذة منسية،
ويترك خلفه وجوهاً تشيخ بسرعة أوراق الخريف حين يطول عليها المطر.. حتى الجنازات، التي كانت تمتد كمآتم فيها مئات الرجال، تقلصت اليوم إلى نعش يتيم يُنقل فوق عجلات مركبة الموتى، كأن المدينة تخشى أن تطلب من أكتاف أبنائها ما لم يعد في وسعها احتماله. 
أذكر، منذ أولى سنوات وعيي في منتصف تسعينيات القرن الماضي، أن الموت كان أقل حضورا، والناس أكثر عددا. كنا نحمل الجنازات من أطراف الأحياء والحارات مرورا بالسوق، فتقفل المحال أبوابها، ويلتحق أصحابها بالركب طلبا للأجر ومشاركة في الواجب.
بعد عام 2003، ومنذ بدأت تغطية أفراح ومآتم بنت جبيل من خلال موقع بنت جبيل، لا أذكر أنني شاهدت هذا السيل من الرحيل دفعة واحدة. ما يحدث اليوم بات يقوله الكثيرون في المدينة: موت يتكاثر وناس يتناقصون. وهذا يفتح بابا واسعا للأسئلة: ما الذي يجري فعلا؟ وهل تصح المقولة الشعبية المتداولة أخيرا أن "من لم يمت بالحرب سيموت من القهر"؟
هذا المقال دعوة لوقفة تأمل جادة أمام ما يحدث في بنت جبيل، التي قال أحدهم إن الجبانة أصبحت المنتزه او المتنفس الوحيد الذي يقصده الناس ليقضوا فيه الوقت فوق قبور الأحبة الراحلين. بنت جبيل التي قدمت أكثر من مئة شهيد على مذبح الكرامة في الحرب الأخيرة، يلحق بهم مئات آخرون ممن رحلوا في السنتين الماضيتين فقط. حتى غدت الجبانة الوسطى أقساما تمتلئ بوتيرة سريعة تثير الدهشة والوجع معا..
صار الموت في بنت جبيل يُقاس اليوم من ملامح الناس قبل اعمارهم. يكفي أن تنظر في الوجوه كي تفهم أن الأعمار تُستنزف بصمت، وان التعب النفسي تحول في السنوات الاخيرة إلى مرض صامت او غير صامت مقيم في الجسد ويتمكن منه. الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والحرب والتهجير اشعلا فوق رؤوس الجميع وجعلت الوجوه أكثر انطفاء، والعيون أكثر هشاشة، حيث ان الشيخوخة لم تعد حكرا على العمر، بل صارت ضيفا يزور كل من أرهقته الأيام وفي اي عمر كان.
وراء هذا المشهد، يقف الواقع الصحي منهكا بدوره. الأمراض المزمنة تفشت كما لو أن القهر نفسه صار وباء ظاهر او غير ظاهر . الضغط، السكري، الجلطات، السرطانات، امراض القلب و اخطرهم الامراض النفسية الصامتة نتيجة التفكير الزائد و الخوف من المستقبل وعدم اليقين.. كلها تتزايد بنسب يلاحظها كل من يتابع شؤون الناس.. ليست أرقاما طبية باردة، بل وجوه نعرفها، وجيران وأقارب وأصدقاء.. القطاع الصحي يتراجع، والتكاليف ترتفع حتى صار العلاج يُحسب بالحسرة وخوف المتعففين من مد اليد قبل المال، بعض المرضى يؤجلون الفحوصات وبعضهم يكتفي بما تسعفه قدرة جيبه، فتتفاقم العلة وتسبقهم إلى نهايات لم تكن محتومة.
اليوم كأن بنت جبيل تُستنزف من الداخل. الموت لم يعد خطوة ثقيلة كما كان، بل ظل رفيق يمر بخفة غير مفهومة، يختار ضحاياه من بين اجساد انهكها الضغط اليومي، وأحلام انطفأت قبل أن تنضج. وهكذا تتوالى النعوات والصور يومياً في مدينة ارهقها المرض، واستنزفها الوجع، وتكاد تفقد حقها في التقاط نفسها بين رحيل وآخر.


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • سلام: ليس أمامنا اليوم سوى خيار تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لحماية لبنان
  • رئيس الحكومة: سنتلقى 70 مليون دولار في الأسابيع المقبلة لإعادة إعمار الجنوب وسنباشر بالعمل
  • رئيس الحكومة: الحكومة نجحت في إعادة أكثر من 400 ألف لاجئ سوري إلى بلده
  • رئيس الحكومة: لأول مرة يكون للجيش سلطة كاملة جنوب الليطاني